الآن وقد انتهت الاستحقاقات الانتخابية وبدأ العد العكسي لنهاية المرحلة الانتقالية
لنا أن نأخذ مسافة من الأحداث لنعيد قراءتها وقراءة المسار الطويل نسبيا والذي شكل
إرهاصاتها الأولى. سأعود بحول الله في الأسبوع أو الأسابيع القادمة إلى ما يبدو لي
متطلبات المرحلة. لاسيما أن كثيرا من النقاط التي كانت تستدعي المرحلةُ تأجيل الخوض
فيها وفي بعض "لا منطوقها" صار اليوم من اللازم إعادة تمحيصها. حسبنا اليوم أن
نتذكر أن المرحلة الانتقالية - رغم كل التحفظات تجاهها والتي كان من الضروري
التعبير عنها في وقتها وممارسة أقصى قدر ممكن من التعبئة بشأنها - مرتْ والحمد لله
بشكل مقبول من منظور شامل. أي من منظور سياق المرحلة وسقوفها وموازين القوى المحلية
والدولية والهوامش التي تتيحها خصوصا إذا ما أعدنا النظر في مقام الحال من حيث
مستوياته المتحركة كما من حيث مستوياته الساكنة أو شبه الساكنة. حسبنا كذلك أن
نتذكر هنا أن المعادلة السياسية تغيرت من الناحية الموضوعية جذريا واكتملت بقبول
الأطراف السياسية أيا تكن تحفظاتها بنتائج مختلف الاقتراعات ولاسيما آخرها. بدأت
إذا صفحة جديدة غيرمحددة المعالم سلفا، مرحلة لها بطبيعة الحال متطلباتها الخاصة.
وأولها تعزيز وجود السلطة المضادة (المجتمع المدني) وسلطة الضد (المعارضة) وتعزيز
دولة المؤسسات المتوازنة بما يسمح مثلا بمراجعة الوضع القانوني واللوجستي للمؤسسة
العسكرية وإيجاد السبل الواقعية لكبح جماع الشبكات المتنفذة الموروثة عن النظام
المنهار.
-2-
قبل العودة إلى موضوع الساعة هذا تلزمنا اليوم إعادة مراجعة مسار ماعرف
بـ"المعارضة" - الداخلية أولا والخارجية تاليا – منذ بداية التسعينات. ومن حين لآخر
سيضطرنا ذلك ضمنيا – بين إكراهات أخرى - إلى مراجعة مضمون ما سمي ويسمى "المعارضة"
بما هي كذلك لنتساءل من بعد عن شروط العمل المعارض في ظل المعادلة الجديدة. لقد كنت
كتبتُ من قبل (في مقال نشرته القدس العربي وأعيد نشره في عدة وسائط إعلامية عشية
الاستحقاق الرئاسي لشهر نوفمبر 2003) أن أحداث الثامن من يونيو تمثل مفارقة لافتة،
إذ عنيت جزئيا إعلانا عن فشل ما، لقوى المعارضة المنظمة، كما عنيت في الوقت نفسه،
كشفا عن صدق جانب كبير من تحليلات أو - بصيغة أدق – من تحذيرات هذه الأخيرة.
-3-
لقد عملت المعارضة المنظمة منذ بداية التسعينات أي منذ الإعلان عن المسلسل السياسي
الذي قررت توظيف هامش حريته المفترضة، على اغتنام الفرصة لخلق قاعدة شعبية معبأة
وقادرة على مقارعة السلطة. ولكن المشكلة منذ البداية تمثلت في البدائل والخيارت
التي تستطيع المعارضة اللجوء إليها أمام إصرار النظام المنهار على عدم احترام
القواعد التي صاغها بنفسه على مقاسه. فقد بدا منذ الانتخابات الرئاسية الأولى - إن
لم نقل منذ ظهور المادة مائة وأربعة- أن النظام لا يعتزم إلا التراجع تدريجيا عن كل
التزاماته الرسمية بخصوص ما سماه بالمسلسل الديمقراطي. وقد أظهرت مقاطعة الانتخابات
التشريعية لسنة 92 الدرجة التي بلغها الجدل حول هذه النقطة فبدت المعارضة منذ ذلك
الحين متخوفة من أن مشاركتها في مثل تلك الظروف قد لا تعني شيئا آخر غير تشريع ما،
للنظام وتصرفاته، دون أن يقدم هذا الأخير تنازلا يذكر. ومع ذلك فإن أبرز مكونات
المعارضة ظلت تؤمن بضرورة استغلال الهامش الديمقراطي المتناقص لدفع التعبئة الشعبية
قدما. وسمح السياق الدولي التسعيني الذي ميزه انتشار الدعوات الحقوقية بربط هذه
التعبئة الداخلية بالإدانة الحقوقية لجرائم النظام البائد على الصعيد الخارجي.
وإذا كانت قدرة النظام المنهار على ابتكار إجابات لأوضاع لم يتوقعها، ضعيفة، بل إن
المفاجآت عادة ما تربكه كليا، فإنه لعب ورقة الاستباق بطريقة أخرى حيث ظل هو صاحب
"المبادرة" وأبقى المعارضة في مجمل الأحيان في مستوى ردة الفعل. ولما كان زمام
مبادرة النظام يختصر في دفق من حالات الاعتقال والمصادرة وحل الأحزاب أي في حالات
حقوقية فإن مكونات المعارضة وجدت نفسها تدريجيا تحصر نشاطها على أرضية حقوق الإنسان
داخليا وخارجيا. وزاد ذلك تعقيدا شعور مبرر بأن الانقسامات التي عرفتها أحزاب
المعارضة ناتجة عن إثارة القضايا السياسية التي هي بطبيعتها خلافية، وأن المساحة
الحوارية الموجودة في ظل نظام بوليسي لا يمكن أن تكفل توفر الهوامش اللازمة لفتح
الملفات السياسية إيجابيا، بل إن إثارة قضايا مركزية كالتعايش العرقي والمشكلة
اللغوية التربوية ومشكلة التابعية ومشكلة العدالة الاجتماعية، ستستغل حتما من لدن
عناصر النظام لضرب المعارضة بعضها ببعض. ولم يكن ذلك الشعور في مستوياته: المصرح
بها، والمسكوت عنها معا، بعيدا عن الواقع، ولكن الغياب المتنامي لطرح هذه القضايا
الرئيسية طرحا سياسيا، حول شيئا فشيئا العمل السياسي بما هو كذلك إلى عمل حقوقي.
فبقدر ما تناقص حينها الهامش الديمقراطي وازدادت انتهاكات النظام الحقوقية وقلتْ
البدائل المتوفرة، بقدرما وجدت إذْ ذاك الحركات السياسية في العمل الحقوقي ملجأ
وفضاء مشتركا نادرا، هو وحده المهيأ لجمع أطرافها ولمنحها ورقة ضغط خارجية نادرة،
على النظام.
-4-
النظرة الحقوقية تسمح بداهة بذكر القضايا الرئيسة في جوانبها المتعلقة بحقوق
الإنسان البسيطة، ولكنها قد تدفع في نفس الوقت – وهو ما حدث بالفعل على نطاق واسع –
إلى التغاضي عن خلفياتها السياسية المعقدة ومن ثم- تمثيلا لا حصرا- اختصار الخطاب
المعلن في إدانة التابعية والتصفيات العرقية والجرائم الاقتصادية والدعوة إلى
احترام التعدد الثقافي. صحيح أن لهذه الإدانات والدعوات أهمية كبيرة، وأن الإجماع
الذي ينعقد حولها يمثل تقدما أساسيا وقياسيا للخطاب الموريتاني المعارض، غير أنه لم
يكن بإمكانها حينها أن تحل محل طرح القضايا السياسية التي لا تمثل المشكلات
الحقوقية إلا بعض انعكاساتها؛ ولم يكن خصوصا بإمكانها أن تغني عن إيجاد رؤية سياسية
وخطة استراتيجية للتعامل مع النظام الحاكم فيما يتجاوز الإدانة وردود الفعل
المرتبطة بالانتهاكات المزمنة. من جهة أولى لا يمكن نكران ما حققه هذا النشاط
الحقوقي لصالح ملفات محددة وحالات معينة كثيرة. ومن جهة ثانية ينبغي الاعتراف في
الوقت نفسه، بأن النشاط السياسي في أغلب جوانبه، اتكأ على الحقوقية، وتراجع عن أغلب
فضاءاته الخاصة، بما ساعد على إبعاده نسبيا عن الحركية الصامتة للمجتمع، تلك
الحركية التي عرفت يوما ما، التنظيمات السرية الماقبل حزبية كيف تنفذ إليها
وتفعّلُها. ويمكن التأريخ بأحداث الخبز لسنة 95 كبداية لافتة لهذا المسلسل
الانفصالي، فكما أن المعارضة المنظمة لم تكن خلف تلك المظاهرات النارية فإنها أيضا
لم تنجح في تبنيها وتأطيرها واستثمارها. وتقف -تبعا لذلك- خلف هذا المسلسل مفارقة
رئيسية : فالمعارضة كانت وظلتْ حينها مضطرة أن لا تقبل إلا بالأساليب التي يشرعها
لها نظام لا يحترم هو نفسه الأساليب التي يشرع، أي أن خيارها الديمقراطي السلمي
محدود بحدود ترسمها إذ ذاك سلطة قمعية لا تعترف عمليا إلا بالفعل القسري. لم يكن
لمفارقة المعارضة الديمقراطية والسلطة الديكتاتورية إلا أن تنجب مناخا تظل فيه
السلطة سيدة المبادرة، وتظل فيه المعارضة أسيرة ردة الفعل. ولما كانت مبادرات
النظام القسري موسومة أساسا بهذه القسرية العضوية، فقد غلب الطابع الحقوقي للمعارضة
على الطابع السياسي، ودفع الأفق السياسي إلى الإنسداد. أو بمعنى أدق ألغى قدرة
المعارضة الداخلية أي "المشرعة" أو "الدستورية" على اتخاذ أي مبادرة سياسية، مما
مهد لأحداث الثامن يونيو، أي أنه دفع القوى المنظمة الأخرى وأبرزها المؤسسة
العسكرية إلى التورط سياسيا لتجاوز حالة الانسداد. نفهم إذ ذاك معنى الارتباك الذي
عرفتْه المعارضة – بما فيها بمستويات معينة المعارضة الخارجية - التي ظلّتْ
تتدافعها الشرعوية والحقوقية وظلت تحذر مما حدث أي من أن غلق أبواب العمل السلمي لا
بد أن ينجب عملا مسلحا. بيد أن الثامن من يونيو الذي أسقط بنسبة متقدمة وعميقة جدار
الخوف قد أتاح فرصة نادرة لإعادة ربط قوى المعارضة المنظمة بالحركية العميقة
للمجتمع.
لقد تساءلتُ إذ ذاك في نفس النص الذي أشرتُ إليه عن النظام المنهار وعن إلى أي مدى
استطاع حينها في ظل المعطى الذي جد أن يحنفظ بقدرته أو ببعضها على رسم حدود نشاط
المعارضة المنظمة الداخلية ومجالها؟