مع غياب الاتحاد السوفياتي في اوائل التسعينات ومن ثم انتهاء الحرب
الباردة التي ظلت علاقاتها وتنافساتها تحكم العلاقات الدولية قرابة
خمسة عقود، بدا ان الولايات المتحدة الاميركية ستبرز باعتبارها القطب
الوحيد في النظام الدولي، غير ان هذا المفهوم لم يكن استقر بشكل نهائي،
فقد بدأت على المسرح الاميركي والعالمي، عملية جدل واسع حول طبيعة
النظام الدولي المقبل وهل سيكون عالما احادي القطبية ام ثنائياً ام
متعدد الاقطاب، وبدأت عملية فحص لإمكانات وقدرات القوى الكبرى - بما
فيها الولايات المتحدة - المؤهلة لكي تشارك في قيادة النظام الدولي،
وحتى بالنسبة الى الولايات المتحدة كانت ثمة شكوك حول امكانياتها
وتساؤلات حول ما اذا كانت خرجت حقا «منتصرة» من صراع الحرب الباردة،
وذلك بعد الاعباء التي تحملتها تقريبا بمفردها - ونيابة عن حلفائها -
في هذا الصراع، اما القوى الكبرى التي خضعت للفحص فكانت تحديدا هي
اوروبا واليابان والصين وروسيا، وخلصت عملية الفحص الى انه على الرغم
من ان كلا من هذه القوى تمتلك عنصرا من عناصر القوة، الا انها تفتقر
الى عناصر القوة الاخرى التي يمكن ان تؤهلها لمنافسة الولايات المتحدة
على المكانة الدولية، واستمر هذا الجدل طوال حقبة التسعينات التي انتهت
مع نهاية ولاية كلينتون وتحقق الجميع ان الولايات المتحدة اصبحت تملك
من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والديبلوماسية ما لا
يتحقق - مجتمعا - لقوى اخرى. وهكذا تأكد مفهوم القطب الواحد او ما سماه
المنظرون المحافظون «لحظة القطب الواحد» Unipolar Moment، بما كان يعني
عندهم ان على الولايات المتحدة ان تستخدمها لكي تؤكد مكانتها العالمية
كقطب اوحد وان تعمل على ان لا تظهر قوة منافسة لها على هذه المكانة.
وعندما جاءت ادارة بوش عام 2000 كان السؤال الذي واجهها، بل واجه
العالم: ما الذي ستفعله الولايات المتحدة بهذه القوة؟ هل ستستمع الى
الاصوات المحافظة، ثم بعد ذلك لمجموعة المحافظين الجدد الذين يدعون الى
التركيز على القوة والاستعداد للعمل المنفرد وتجاهل الآخرين بشكل يضمن
ان تصيغ الولايات المتحدة ما تراه خيرا لها وللعالم وان تنفذه، او
الاصوات التي بدت في البداية خافتة وتدعو - كما دعا جوزيف ناي - الى ان
تركز الولايات المتحدة على قواتها الناعمة Soft Power، والعمل والتعاون
مع القوى الاخرى؟ غير أن تيار المحافظين الجدد تمكن من اركان الادارة
ونفذ الى دوائرها الرئيسية في البيت الابيض والبنتاغون بل حتى وزارة
الخارجية، وجاءت احداث 11 ايلول (سبتمبر) لكي تقدم دعما لرؤاهم
ومفاهيمهم التي اصبحت فيما بعد من مكونات استراتيجيات الامن القومي
الاميركي التي اعلنها بوش في ايلول 2002. وبفعل هذه الاستراتيجية قامت
الولايات المتحدة بحربين في افغانستان والعراق، واصبحت القوة بديلا عن
الديبلوماسية، وجرى تجاهل الحلفاء بل والصدام معهم وازدراء المنظمات
الدولية، والتنصل من الاتفاقيات الدولية، غير ان هذا النهج في استخدام
القوة والعلاقات مع العالم بما فيهم الحلفاء اصطدم بتعثر الحرب على
العراق وعدم تحقيقها لأهدافها وظهور فساد وعدم صحة الافتراضات التي
قامت عليها، ما ابرز حدود القوة وما يمكن، رغم تفوقها، ان تحققه،
وتوافق هذا مع نهاية ولاية بوش الاولى - 2004 - حيث بدأت الاسئلة تدور
حول ما اذا كان نهج ولايته الثانية سيكون استمرارا لولايته الاولى.
وبدأ خبراء السياسة الاميركية يتحدثون عن اميركا الوحيدة America Alone
ولعل هذا هو ما جعل وزيرة الخارجية الاميركية الجديدة كوندوليزا رايس
تقول في اول تصريحاتها «ان هذا وقت الديبلوماسية» وان تبدأ عملية ترميم
للعلاقات مع اوروبا وان تكون اول زيارة لها ثم الرئيس في ولايته
الجديدة الى القارة حيث اعرب عن استعداده للتعاون وتحدث بلغة جديدة
بعيدة عن الغطرسة، وقد انتجت هذه الرحلة بداية توافق اميركي اوروبي،
وللمفارقة كانت المنطقة التي كانت مصدر خلافات في الولاية الاولى، وهي
الشرق الاوسط، مجالا للتعاون حول قضايا مثل سورية، لبنان، وايران ثم
حول «حماس».
من المعروف تاريخيا ان انفراد قوة عظمى بالنفوذ والسيطرة غالبا ما يحرك
عدم رضا ثم سعي القوى الاخرى لتصحيح هذا الوضع بل مقاومته، وهو النمط
الذي شاهدناه ونشاهده مع انفراد الولايات المتحدة بالقوة والنفوذ
عالميا وتهميش القوى الاخرى، فرغم تقبل هذه القوى في البداية على مضض
لحقيقة تفوق القوة الاميركية ومحاولة ترويضها، الا انها كانت تعرب عن
عدم رضاها وتململها من محاولات انفراد الولايات المتحدة بالقرارات
الدولية، والدعوة لعلاقات دولية ديموقراطية تقوم على تعدد القوى
والمراكز، وقد بدأ هذا التصور يبدو اكثر احتمالا مع صعود قوى ثلاث هي
الصين، روسيا، والهند، فالصين بشكل خاص يؤهلها نموها الاقتصادي غير
المسبوق لان تكون خلال عقد او عقدين القوة الثالثة العالمية بل ربما
زاحمت الولايات المتحدة مع منتصف القرن، وروسيا، خصوصاً في ظل رئاسة
بوتين، وهي تعمل على استعادة ادوارها الاقليمية والدولية وتأكيد ذاتها
بصورة لا تخلو من مناوأة الولايات المتحدة، اما الهند فإن الخبراء
يتوقعون ان تبرز باعتبارها القطب الثالث في الاقتصاد العالمي بعد
الولايات المتحدة والصين.
وربما كان هذا ما دفع بخبير استراتيجي فرنسي هو دومينيك مواسي
Dominique Moisi لان يعلن انتهاء عالم القطب الواحد. الا انه يثير في
نفس الوقت تحفظا او اشكالية ان القوى الثلاث: الصين، روسيا، الهند ليست
جاهزة او راغبة او قادرة على ان تعمل كقوة استقرار دولية، فهي اما
شكاكة او خجولة في رؤيتها للعالم، او ان لكل منها اولوياتها، يعني بذلك
ان الاولوية الاولى لقوة مثل الصين اليوم هي بناء اقتصادها واستكمال
نموها وهو ما يدفعها الى عدم الانغماس في القضايا الدولية او الاقليمية
فضلا عن الدخول في مواجهات او منافسات مع قوة مثل الولايات المتحدة.
فما هي القوة الاخرى التي تستطيع تحقيق هذا التوازن وان تجعل العالم
المتعدد الاقطاب يعمل بشكل ايجابي؟ انها في رأي مواسي اوروبا التي
تستطيع ان تصنع فرقا في لحظة ما بعد القطب الواحد، ولكن بشرط ان تكون
مستعدة لتحمل مسؤولياتها، أما اذا فشلت فإن تواضع اميركا الجديد
والمفروض ومن ثم تعدد الاقطاب، سينشأ عنه، ليس عن تصميم وانما عن خطأ،
عالم اكثر فوضى بأكثر مما يقود الى استقرار اكبر. ويبقى ان نتساءل هل
اوروبا بتعثر وحدتها الدستورية، وخلافاتها في سياساتها الخارجية
والدفاعية مؤهلة حقا لهذا الدور؟ ام اننا مقبلون على ما وصفه عالم
السياسة الاميركي صمويل هنتنغتون بأنه عالم احادي - متعدد الاقطاب Uni
Polar System؟