آراء
المال السياسي الموريتاني كنقيض للنجاعة التنموية ،
بقلم بدي ولد ابنو
ـ1ـ
كَتبَ ابن خلدون في مقدمته في الفصل الشهير " في أن الظلم مؤذن بخراب العمران":
ـ "اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، وإذا
ذهبتْ آمالُهم في اكتسابها انقبضتْ أيديهم عن السعي في ذلك، فإذا قعد الناس عن
المعاش كسدتْ أسواق العمران وخفّ ساكن القطر وخربتْ أمصاره."
ـ "ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو
المشهور بل الظلم أعم من ذلك. فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة
والمانعون لحقوق الناس ظلمة وغصّاب الأملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك كله عائدٌ
على الدولة بخراب العمران."
ــ"وأعظمُ من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة التسلّطُ على أموال الناس بشراء
ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصْب
والإكراه."
وكَتبَ في فصل آخر من نفس المؤَلَّف :" ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين
أو المماليك سطا به القهرُ وضيّق على النفس في انبساطها، وذهبَ بنشاطها، ودعاه إلي
الكسل، وحمَلَه على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط
الأيدي بالقهر عليه، وعلَّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً،
وفسدتْ معاني الإنسانية التي له، من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن
نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلتْ النفسُ عن اكتساب الفضائل
والخلق الجميل، فانقبضتْ عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتَكَس وعاد في أسفل
السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلتْ في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتَبرْه في
مَن يُملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء"
ـ2ـ
تدخل إشكالية حضور المال السياسي الموروث عن النظام المنهار في إطار أعم عَبّرَ عن
معنى قريب منه ابنُ خلدون ليس فقط بما يعنيه أن يصبح "خاصةُ السلطان" تجارا أو أنْ
يصبحَ "السلطانُ تاجرا" بل بما يترافق عادة مع هذين مما اعتبرَه صاحب المقدمة
الإشارةَ الفارقةَ التي تَؤمّ الإفلاسَ التنموي الكلي أو بعبارته التي تتضمن مفهوما
أشمل : خراب العمران. هذا الإطار الأعم يمكن أن نُعبر عنْه بصيغة "احتكار العام
كامتياز لصالح الخاص"، والعام هنا يجمع المستويين المادي والرمزي. وتزيد المشكلة
عما عَرفه ابن خلدون في عصْره حين يصبح المصدر الأهم للريع العام ، كما هو الحال في
موريتانيا وفي الدول المشابهة، هو الجزء الميزانوي الذي تُمثّلُه عائداتُ التصدير
والشراكات الدولية و"المعونات" الخارجية بشكل سهّلَ ويُسهّل أن يَلعب وكلاء السلطة
دور "الملك الذي يأخذ كلَّ سفينة غصبا". بيد أنه حتى في حال ما إذا افترضنا أن
مختلف الاحتكارات التي ورثتْ الدولة الموريتانية ستنفك ولو نسبيا بشكل يتناسب مع
هوامش الحريات السياسية المكتسبة فإن سلسلة الاستحقاقات الأخيرة أظهرتْ أن العقود
الأخيرة أنتجتْ، عبْر احتكار العام، "فئة أعمالية ريعية" لها منطقُها الخاص وقادرة
على استثمار المال السياسي للاحتفاظ عبر اللعبة الديمقراطية نفسِها بموقع قَدَم
فِعْلي أو مُفتَعل داخل السلطة باعتبارها حصريا منطقةَ التحالف أو التقاطع مع ما
صار يُعرف بـ"النخب" اللينة المتحركة. شعارُها الذي يُمكن تَفَهّمه بمنطقها : "لا
خلاص خارج السلطة." السلطة ليستْ كجهاز وطني منغرس في فضاء مواطني بل السلطة التي
يُنظر إليها إما كمجرد ضمان للحصول على ما يُشبه الرقم الرابح في اليانصيب وإما، في
"أحسن" الأحوال، لاكتساب "الجاه المفيد للمال".
ـ3ـ
السؤال إذا هو ما أو من الذي أعطى للمال السياسي هذه القدرة التي أثّرتْ بشكل لا
سبيل إلى نفيه في الانتخابات الأخيرة؟ أعطاها له توظيف المجتمع التقليدي. بيد أن
التوظيف المقصود هنا ليس كما يتبادر إلى الذهن. أي ليس توظيف المجتمع بمواصفاته
كمجتمع تقليدي. المجتمع التقليدي بما هو كذلك يتمتع في أفقه العتيق الخاص بقدرة على
مقاومة فعلية من نوع معين ولو في حدود دنيا. طبعا ليستْ مقاومة ما يتنافى مع
أخلاقيات المجتمع المواطني الحديث ـ و استطرادا المجتمع المدني ـ ولكن ما يتنافى مع
أخلاقياته هو كمجتمع تقليدي. وهنا المفارقة. فالطريقة التي تم بها ابتزاز أصوات جزء
من المحسوبين على المجتمع التقليدي عبر المال السياسي لم تكن تُترجم حيوية المجتمع
التقليدي بما هو كذلك وإنما ترجمتْ على العكس مستوى متقدما من تفكك بناه وبالتالي
من انهيار أخلاقياته الخاصة. التوظيف الشديد للمجتمع التقليدي في العقدين الأخيرين
في داخل الفضاء العمومي كـ"مأسَسَة" جديدة حارقة للمراحل تحاول أن تمنحه محتوى
معضدا لميزان القوى السياسي القائم وفي أفق المعطيات المتشابكة التي أعادت تَشكل
المجتمع التقليدي، بإحداثياتها التي ناقشناها من قبل ـ التمدين والانفجار
الديمغرافي وطفرة الفضاء التواصلي إلخ ـ قد فكك هذا المجتمع بشكل عميق وإن ظل
التفكك مادةً وصورةً خفيا نسبيا. ظل خفيا وخطيرا في نفس الوقت لأن التفكك التدريجي
للمجتمع التقليدي لم يترافق مع نمو متوازن للمجتمع المدني وللفضاء المواطني. العرى
الاجتماعية التقليدية تتقطّع دون أنْ تَحل محلها عرى جديدة. ومن ثم ظلتْ كلُّ مراحل
تفككه مراحل تحول مع وقف التنفيذ. وهو ما ترافق تلقائيا، خصوصا في ظل مستويات أخرى
ـ فئوية وعرقية ـ من تمزيق الجسم الاجتماعي، مع أزمة أخلاقية كان أحد تمظهراتها
تَركز ثقافة "المنفعة" الخاصة بالمعنى الدارج. ليس المقصود مصلحة الجماعة أيا كانت
وحتى لو كانت الجماعة القبلية بل الأمر يتعلق بالانتفاعية الشخصية في أكثر جوانبها
ابتذالا. فقدرة المقاومة للمجتمع التقليدي انقبضتْ بشكل مذهل دون أن تتكون بالمستوى
الكافي مقاومة مدنية بديلة وبأخلاقيات بديلة. ومن ثم وفي شرائح واسعة أَجّجتْ
العقودُ المنصرمة، في ظل تحول الندرة التقليدية إلى "فقر" بالمعنى الحديث أي إلى
بؤس وشعور بالحرمان، أججتْ الأنانية الفردية في مستواها الغريزي أو البدائي الذي
يُبَضّع العلاقات الاجتماعية بما فيها العلاقة العصبية مما دفع تدريجيا إلى شل مذهل
لثقافة مقاومة الامتهان الفوقي وخوّلَ بذاك فرضَ مستوى خطير من معادلة الجزرة
والهراوة، أي الخوف الطمع الذي يؤسس جوهر ثقافة بيع وشراء الذمم.
ـ4ـ
لن تمثل هوامش الحريات السياسية المكتَسبة الآن إلا أشكالا دون مضمون ما لم تُراجع
بشكل شامل مشكلة العدالة الاجتماعية. المال العام المخوصص باسم "الأعمال" والموروث
عن العقود الأخيرة أصبح الآن شبه مستقل ذاتيا عبـر "فئته" ويحمل دينامية خاصة يعبر
عنها المال السياسي. لقد شكلتْ "الفئة الأعمالية الريعية" جدلية هذا المال الخاصة
فأصلُه هو الاحتكارُ الامتيازي الذي تمنحُه السلطة، وللفئة بدورها وبشكل "ديمقراطي"
أن تمنح بَعضَه للاحتفاظ بمستوى ما من الامتياز السلطوي ولو رمزيا. من هنا ضرورة أن
تُدرِك القوى السياسية الطامحة للتغيير ضرورة مساهمتها في خلق حراك اجتماعي بمستوى
الحراك السياسي إلم يتجاوزه. فمَع تسارع مستوى التواصل قد لا يحتاج المجتمع
لاستعادة الطاقة الاجتماعية الفاعلة والمتوقدة ـ أو "غاية إنسانيته"، للتخلص مما
"وقع لأمة حصلتْ في قبضة القهر ونال منها العسف" ـ جيلا كاملا، كما يرى ابن خلدون،
ولكنه يحتاج بلا مراء عملا حثيثا طويل النفس. يحتاج بالنسبة للإشكال الذي نحن بصدده
العملَ على غرس واحد من أهم الأسس التي ينبني عليها ترابط مبدأي الحرية والعدالة
سياسيا واقتصاديا ليسَ فقط من منظور مبدأي ولكن كذلك من منظور النجاعة التنموية ـ
أو "العمرانية". يحتاج إذا عملا يسمح بالإمساك بالممكنات المتعددة التي يَمنحها
الحدث بدل الارتهان السلبي له. فكأن "برقلس" حين عرّف في القرن الخامس قبل الميلاد
الديمقراطية بأنها "حكم الشعب للشعب" قد شعر بخطر ما وكأن ذلك ما يُفسر كونَه أضاف:
"من أجل الشعب".