آراء
نحو
إعادة تقييم المسار (3)
،
بقلم بدي ولد ابنو
ـ1ـ
مثّلَ التخوفُ من طرْح الملفات السياسية الذي حَشرَ شيئا فشيئا تشكيلات المعارضةَ
في الزاوية الحقوقية انعكاسا للتجربة المؤلمة التي عرفتْها المعارضة السياسية غداة
الاقتراع الرئاسي لسنة 91. إنها تجربة التفكك المزدوج : من جهة أخذ يظهر بشكل لافت
قِصر نفَس شرائح كثيرة محسوبة على الُمعارضة أمام موسم الهجرة إلى الحزب الحاكم بعد
تراجع حظوظ سلطة الضد في الوصول إلى السلطة. وهو ضعْف في النَفَس لا تفسّره الجوانبُ
الشخصية وهشاشة القناعات الأخلاقية والسياسية الفردية إلا إذا وُضعتْ في إطارها
العام، أي في إطار ضعف الانغراس الاجتماعي لهذه القناعات من جهة وضعف البنية المادية
أو التحتية القادرة على ضمان استقلال مادي ولوجستي ولو في الحدود الدنيا عن السلطة
الحاكمة. السلطة تحتكر الدولة وبالتالي تحتكر الريع العام. أما الريع الخاص ففي
معظم الحالات لاوجود له بما هو خاص وإنما هو ريع عام مخوصَصَ. إنه الامتياز الذي
تَمنَحُه الدولةـ السلطة. لم تَعد السلطة حينها محتاجةً بالضرورة إلى القمع
البوليسي المباشر فطُرق احتكار المال وطرق خوصَصَته صارتْ تضمن في كثير من الحالات
تكسيرَ المقاومة تصاعديا واختزالَ الهوامش التي يتحركُ فيها المعارِض في المستوى
الذي تراه السلطة منسجما مع إشارات الضوء الأحمر التي تعايرها وتُخضعها لمزاجها
الخاص ولما تراه منسجما مع محتوى الرسائل التي تعتقد أن عليها أن تبعث إلى الخارج
وإليه حصرا. صارتْ المقاومة السياسية مرْتبطةً إذا بالنسبة للكثيرين بالقدرة على
المقاومة الاقتصادية في بلد لا يدين فيه معظمُ رأس المال الخاص لرأس المال العام
فقط بل أصبح فيه "السلطان تاجرا" بالتعبير الخلدوني أي أصبح أو كاد أن يصبح فيه
أصحاب السلطة هم عينيا أصحاب رؤوس الأموال أيا يكن توظيفها.
إلى ذلك عرفتْ المعارضة ظاهرة إضافية محايثة كذلك لارتباط الثروات الشخصية بمصدر
الريع العام أي الدولة. فالقادرون على توفير حد أدنى من البنى التحتية التي يتطلبها
النشاط السياسي هم فضلا عن قلة عددهم منحدرون غالبا بشكل أو آخر من داخل الأنظمة
المتعاقبة على الحكم. ويكفي لاستحضار هذا المُعطى أنْ نَتَذكّر أنّ أغلب الذين
أسسوا أحزاب المعارضة أو ترأسوها في التسعينات هم من المنحدرين من الفئات التي
تعاقبتْ على السلطة. ولم يكن للمعارضة أو المعارضات في ظل الخيارات التي سادتْ
حينها مفرٌّ من القبول هكذا بواجهات مُؤقتةـ دائمة، يتطور القبول بها أو تقبلها
تبريريا مع الزمن من مستوى "الخيار المتاح" إلى مُستوى "الخيار المشروع". ويتم
الانتقالُ من حكم الواقع إلى حكم القيمة عبْر تطورٍـ تطويرٍ واضحٍ للخطاب التبريري
تنصاغُ من خلاله وفي أفقه معاييرٌ مُفتَرضةٌ للقبول السياسي والاجتماعي والرسمي
والدولي إلخ. إنها حالةُ الاستقطاب التدجيني المُشخصَن التي أسسَ لها تشكلُ الخريطة
وفق معايير النفوذ المادي الاجتماعي اللاسياسي التي أنتَجتْها الأنظمة المتعابقة
وكرّسَها النظام القائم حينها، أي تحديدا النظام التي كانتْ تواجهه تلك المعارضة.
تشكلتْ خريطة المعارضة السياسية في التسعينات إذا في هامشٍ يصوغ النظامُ القائم
محدداته القانونية والمادية ويرسم حدود ارتهانه للموروثين الرسمي والتقليدي، بما في
ذلك ارتهانُه في حدود معينة للمرجعيات التقليدية وللعقلية الأبوية ولنظرة تبخيس
الأغلبية. وهي المرجعيات التي زاد فاعليتها حينها تضاعفُ مسلسل إعادة مأسسة المجتمع
التقليدي في الفضاء العمومي وحالة التفرّع العرقي الثنائي
التي توَّجتْها مآسي أواخر الثمانينيات.
ـ2ـ
في المستوى الثاني من التفكك ظهرتْ منذ السنوات التسعينية الأولى الدرجة الذي
بلغتْها الانقسامات والصراعات الحركية التي تأخذ ـ هي أيضا ـ في كثير من الأحيان
طابع الصراع الشخصي أو المشَخصَن. لم يُظهر ذلك التشرذمُ هشاشةَ التحالفات
المعارِضة التي انطلقتْ في أواسط سنة 91 (خصوصا مع الرسائل الثلاث وتكوين "الجبهة
الديمقراطية الموحَّدة من أجل التغيير"). وقد أظهر ذلك التفككُ إشكالية التحدي الذي
يطرحُه على القوى السياسية خلْقُ مستويات جديدة من التداول السياسي تتناسب مع مرحلة
مابعد العمل الحركي السري. كما تداخلَ في ترجمته الميدانية من جهة مع إرثْ الحركات
السرية ومن جهة ثانية معَ ما سميناه حالة الاستقطاب التدجيني المُشخصَن، أو لنسمه
الصراع الفوقي للزعامات الجديدة، ومن جهة ثالثة مع الاختراق الرسمي المؤَجج
والموظِّف. ووجدتْ هذه الظاهرة ثلاثية الأبعاد أشكالا عديدة للتعبير عنها، منها
تمثيلا لا حصرا الانضمامُ الانتقامي ـ في بَعض الحالات ـ إلى السلطة ومنها الصراع
على المواقع داخل الأحزاب الذي مثل امتدادا شبه تلقائي للصراع الحركي داخل النقابات
والأطر الطلابية، ومنها أيضا الصراع الحزبي بالمعنى الحصري وتفكك وخروج عدة أحزاب
من حضن حزب واحد. ثم وصلتْ مستوى الصراع "القانوني" على مشروعية وجود هذا الحزب أو
ذاك ولجوء الفرقاء أحيانا إلى المؤسسات الرسمية التي يشككون في مشروعيتها، وهو ما
سيعني عمليا "تشريع" استقواء طرف أو آخر من الأطراف المحسوبة على المعارضة بالنظام
الحاكم ضد الطرف الآخر. مما عَمِلَ بداهةً على طمْسٍ جزئي لحدود الشراكة والمنافسة
والخصومة في المعارضة. وهو ما ساهم مع معطيات أخرى في تغيير ملموس في وجهة الصراع
السياسي مع السلطة وهزّ مشروعية البنى السياسية المُعارضة بالرغم من أن مشروعية
الخطاب المُعارض نفسه ظلتْ مفارقيا في تصاعد. لقد عرّتْ تلك الصراعات ـ خصوصا منها
تلك التي تمتْ في أجواء استحقاقات انتخابية ـ حجمَ العقبات التي يطرحها الانتقال من
مرجعية الوزن السياسي الحركي إلى مرجعية الوزن السياسي الانتخابي خصوصا مع
الاستثمار المتصاعد للمحددات التقليدية، العرقية والفئوية والجهوية والعشائرية، ومع
الشروط الموروثة عن مناخ المواجهة العرقية التي مثلتْ أحداث إبريل 89 وتداعياتُها
أوجَها، وبشكل أعم مع استمرار آلية إعادة مأْسسة المجتمع التقليدي في الفضاء
العمومي. كما أظهرت نجاعةَ الدعاية الرسمية الموجهة ضد المعارضة إذْ أفلح النظامُ
حينها في شلّ الحماس الذي حُظي به عددٌ من التشكيلات المُعارضة في شرائح شعْبية
واسعة عبر تسويقه لجزء من دعايته التخوينية، بل أفلح أيضا في بث تلك الثقافة
التخوينية نفسها داخل صفوف المعارضة.
ـ3ـ
لم تكن النتيجة السلبية المباشرة للمفارقة المزدوجة التي مثلها من جهة صراعُ معارضة
مدنية "دستورية" مع سلطة عسكرية أوتوقراطية ومن جهة ثانية تراجعُ مشروعية البنى
المُعارِضة المقنّنة بالرغم من تضاعف مشروعية الخطاب المعارِض نفسِه، لم تَكنْ
نتيجَتُه تصاعد مسلسل الانفصال الداخلي الذي تحدثنا عنه من قبلُ والذي افترضنا
إمكان التأريخ له بمظاهرات الخبز لسنة 95 بل كان له انعكاسٌ مباشر على الدياسبورات
الخارجية التي أخذتْ تعرف دينامية خاصة وتغيرات جذرية منذ أواسط التسعينات.بيد أنه
جدير بنا قبل أن نعود إلى مدلول هذا الانعكاس الأخير ـ في حديث آخرـ أن نأخذ على
محمل الجد المستوى المحايثَ لهذه المفارقة المزدوجة وللصراع الذي ميزَها ـ كظاهرة
ثلاثية الأبعاد ـ علةً كان أم معلولا أم هما معا. هذا المستوى المحايث جسَّدَه
التجاذبُ بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني أو نواته. حُشرتْ وانحشرتْ رغما عنها
شيئا فشيئا الطبقة السياسية في الزاوية الحقوقية. وشلّ ذلك جانبا جديا ممّا به كان
يُفترض أنها ستستطيع تحقيق حد أدنى من التفاهم السياسي الجماعي. ولكن ذلك الركونَ
إلى الخطاب الحقوقي قد خفّفَ مستويات معينة من حالة التفرع الثنائي العرقي رغم أن
نزيف الجراح ما زال حينها في أوجه. كما سمح ذلك الركونُ لنوات المجتمع المدني أنْ
تَلعب دورا فاعلا إلى حد ما وأن تَلعبَه خصوصا مكوناتُها التي تتمتعُ باستقلال مادي
نسبي وبتقاليد تضامنية معتبرة. وهو ما يَصدُق مثلا بمستَوى أو آخر على سلك المحامين
وبضعة روابط عمالية ومهنية وطلابية. هذا إضافة إلى الدور الذي أخذتْ منذ بداية
التسعينات يصدق بنسب متفاوتة على الصحافة المستقلة الوليدة. وهي معطيات لا يمكن
تجاهلها حين يتعلق الأمر بفحص المعادلة التي تَمتْ بها مواجهة النظام المنهار كنظام
بوليسي كان فعلا في بالغ الشراسة والمركزية الأتوقراطية ولكنه كان كذلك وللأسباب
نفسِها في بالغ الهشاشة والتآكل.