الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة     صحفيون يربكون الرئيس الموريتاني في فرنسا   -الحدث- رئيس موريتانيا يسود و لا يحكم، بقلم الخليل ولد مأمون -الحدث- ولد بلخير يأسف لدعم المجلس العسكري لولد الشيخ عبدالله   -الحدث-    موريتانيون في امريكا ينتقدون الرئيس و يهاجمون معاونيه -الحدث-     ولد الطايع يتأهب للعودة و يحلم باستعادة السلطة -الحدث-     صحف فرنسية : هل سيكون ولد الشيخ عبد الله دمية في يد العسكر ؟ -الحدث- كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف -الحدث- القضاء الموريتاني يحقق مع متهمين بتهريب مخدرات  -الحدث- اقزام بقامات عمالقة !،بقلم سيدي محمد ولد ابه

 

Alhadath :::: الحدث

رأي
سقط الثور فانهالت عليه السكاكين، بقلم اوفى عبدالله اوفى


اوفى عبدالله اوفى

 

"بلاد السيبة" هذه التسمية التي لها جذورها التاريخية في موريتانيا يبدو حسب رأي الكثيرين أنها بدأت تستعيد شحنتها الدلالية ، وتفرض وجودها بقوة في قاموس الأحداث الوطنية هذه الأيام ، وذلك بعد الأحداث الدراماتيكية الأخيرة التي بدأت بمقتل السياح الفرنسيين الأربعة في ألاك ثم حادثة "الغلاوية" التي راح ضحيتها ثلاث جنود موريتانيين مرابطين على الحدود الشمالية للبلاد ، ثم الإعلان المفاجئ عن إلغاء سباق رالي داكار بناء على تهديدات مباشرة تلقتها اللجنة المنظمة للسباق ، ومعلومات حصلت عليها الاستخبارات الفرنسية تؤكد أن الأراضي الموريتانية لم تعد آمنة بما فيه الكفاية ، مما حدا بالحكومة الفرنسية تحذير رعاياها من السفر إلى موريتانيا ، ثم تتتالى الخروق الأمنية مجسدة هذه المرة بالأحداث الأخيرة التي وقعت في بلدية "أغورط" ، لتعكس واقعا يدمى له الجبين، وهو أن المواطن الموريتاني بكل بساطة لم يعد يحسب حسابا لسلطة الدولة ، ولا يراعي هيبة للأمن، ولا للقوات العسكرية من ورائه ، بل يريد أخذ حقه المزعوم بنفسه ، وكأن قانون الغاب عاد ليفرض نفسه بقوة في ظل غياب بديل عنه يكرس سلطة الدولة ويحفظ الحقوق
لأصحابها ، فهل أصبح الأمن في موريتانيا سيئا لهذه الدرجة التي يصورها الفرنسيون ومن والاهم ؟ وعلى الفرض بأنه كذلك ، ما هي الأسباب التي تقف وراء هذا التدهور المفاجئ للأمن ؟ وهل أصبحت موريتانيا فعلا بلادا سائبة في ظل عهد العدالة والديمقراطية والحكم الرشيد؟ وهل لوجود حاكم مدني في موريتانيا على هرم السلطة وتراجع النفوذ العسكري داخل القصر الرمادي ،علاقة بالفلتان الأمني الأخير، وهل بالفعل عجزت سلطة الأمن الوطني والجيش عن بسط سيطرتها على عموم التراب الوطني؟ كلها أسئلة أصبحت تطرح نفسها بإلحاح هذه الأيام ولا تجد أجوبة شافية من الجهات المختصة على الأقل لطمأنة المواطن البسيط الذي وجد نفسه أمام سيل من الاتهامات الداخلية والخارجية لأمن بلده واستقراره ، خصوصا أن هذا الشعب المسلم المسالم لا يعرف إلا السلم والسلام والأمن والاستقرار.


لقد دهشت في الأيام الماضية وأنا أسمع تحليلا لأحد الذين يسمون أنفسهم خبراء سياسيين ، عند ما أرجع تدهور الأمن ـ حسب زعمه ـ في موريتانيا إلى عوامل ثلاثة لا يمكن القفز على أحد منها ، ولا تجاهلها مجتمعة ، وهي أولا تغير سياسة إدارة الأمن وذلك بعد ما تغير هرمها بكامله وعدم وجود مؤسسة للاستخبارات ذات تمويل معتبر يسمح بتتبع وإيقاف كل ما من شأنه الإضرار بأمن هذا الوطن العزيز ، ثانيا تفكك الحزب الحاكم الذي كانت لجانه بمثابة أخطبوط استخباراتي يوصل أدق التفاصيل عن كل شبر من الوطن على مدار الساعة ، وأضاف أرجوا أن يقوم حزب الدولة الجديد بالمهمة ذاتها، وثالثا إقصاء جل الزعامات القبلية من وظائف وميزات كانت الدولة في ظل الحقب الماضية تمنحها بسخاء لهذا الزعيم القبلي وذاك ، وعندما ضعف الزعيم وخرجت القبيلة عن سيطرته وبدأت ذئاب خصومه تنهش لحم ماشيته ، لم يعد باستطاعته ضبط أمن القبيلة فحدث الفلتان ووقع المحظور .
وما أثار دهشتي واستغرابي ليس مجانفة هذا التحليل للصواب من موافقته له ، وإنما كيف يمكن لأمن دولة أن يكون مرتبطا بثالوث شخص مدير الأمن، وحزب الدولة، والزعيم القبلي، مع احترامي لدور كل منهم على حده ، كيف يمكننا شخصنة مصير أمة بكاملها وربطها بزيد أو بعمرو ، وكيف يمكن لحزب أن يقوم بوظيفة لا يسمح له القانون بالقيام بها ، بل ليست من اختصاصه أصلا ، وينتهك بذلك صلاحيات مؤسستين كبيرتين بحجم الأمن الوطني والاستخبارات الوطنية .


أعتقد أن الواقع الأمني الذي نعيشه اليوم ليس أسوأ مما كنا عليه أيام دولة الحزب الواحد ،والنفود اللا متناهي للزعماء القبليين وسيطرة العسكر على كل صغيرة وكبيرة في البلاد ، على الأقل عدد الجنود الذين اغتيلوا في "الغلاوية" أقل بخمسة أضعاف ممن اغتيلوا في "لمغيط"، وكذلك حادثة الجنود الفرنسيين يمكن أن تقع في أي بلد من العالم ، وما دولة الجزائر منكم ببعيد ، حيث التفجيرات الأخيرة التي راح ضحيتها موظفون للأمم المتحدة ، ورغم ذلك لم تأمر فرنسا رعاياها بعدم الذهاب إلى الجزائر ، وأما النزاعات التي وقعت في أغورط ، فهي حادثة يمكن أن تقع في أي دولة من العالم ، وليست أحداث الضواحي في فرنسا إلا المثال الحي لذلك ، أما التطرف وفكر التكفير والجماعات السلفية والقاعدة ، فذلك ما لم يعد يخص دولة دون أخرى ، ولا يعرف له حدودا ولا دولة بعينها ، بل هو ظاهرة عالمية ، ضربت من هم أشد منا قوة وأكثر أموالا وأمنا .
كيف يمكن لعاقل أن يتصور أن الخروقات الأمنية التي حدثت أخيرا والتي لا تخلوا منها بقعة على وجه الأرض، بسبب عدم وجود حزب للسلطة يضبط أمن البلاد ، وعدم وجود لجنة عسكرية تتولى مقاليد السلطة ، وعدم منح العلاوات والأموال لهذا الزعيم القبلي أو ذاك، أي دعوى هذه ، وأي منطق هذا ؟ .
لا أعتقد أنه من مصلحة موريتانيا تحت أي ظرف طارئ ، العودة بالبلاد إلى المربع الأول الذي بالكاد خرجت منه .


ولا أعتقد أن الأمن والقائمين عليه يتحملون المسئولية لوحدهم ، عما حدث ، ولا أظن أنه من الحكمة التحامل على الأمن وجعله كبش فداء لتجاذبات لا ناقة له فيها ولا جمل .
لست هنا بصدد الدفاع عن مؤسسة الأمن ولا القائمين عليها ، ولا أريد أن أعفيهم من أي تقصير قد يلحق بهم ، لكن بالمقابل لا أسمح لأي كان وتحت أي حجة أن يوظف الدعاوي الفرنسية بانعدام الأمن في موريتانيا ، لمكتسبات سياسية لا تستند على دليل ولا تقوم على أساس.
لا ضير في أن نقوم فرادى وجماعات ، وكلا من موقعه، بمحاربة الإرهاب والتطرف والقتل والتكفير، مهما كانت دعاوي أصحابه ومبرراتهم ، بكل الوسائل والطرق ، الدعوية منها والتثقيفية والإعلامية ، لكن هذا وحده لا يكفي ، فمن جهة أخرى يجب ألا نحمل قوات أمننا أكثر مما تتحمل ، بل يجب على الدولة دعم أمنها بالقوة والعتاد والأموال لتطوير قدراته ، ويجب على برلمانيينا أن يوافقوا على أي ميزانية ترصد للأمن والاستخبارات وألا تكون مثار جدل ونقاش ، فالأمن قبل كل شيء ، وبالمقابل على أمننا ضبط الحدود ، واستحداث دوريات للتفتيش العشوائي ، ووضع ثكنات تفتيشية على طريق الأمل وطريق نواذيبو وطريق اكجوجت وطريق روصو ، بحيث لا يمكن لأي داخل للبلد ولا لنواكشوط المرور دون تفتيش ، ويجب أن تكون هذه الثكنات دائمة وألا تربط بظرفية زمنية معينة ثم يقام بإزالتها .
والذي أرجو من مثقفينا وساستنا ألا يشخصوا الأمر على أنه فشل ذريع لأمننا ويؤيدوا بذلك الرواية الفرنسية التي لا يمكن أن تخلو من دوافع سياسية لا تخفى على أحد ، وألا تكون سكاكين آرائهم وتحليلاتهم أول من يقطع أوصال أمننا، الذي نرجو أن يستعيد عافيته، وأن تكون الأحداث الأخيرة مساعدا له على التحديث والتجديد والتطوير لملائمة الواقع الجديد ، وألا يكون الثور الذي سقط فانهالت عليه السكاكين .

أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
awvaabdl@yahoo.fr