هكذا وبعد مخاض عسير، تخللته مصاعب ولادية متعددة ، ولد الإبن المدلل
للسلطة الموريتانية الجديدة ، حزب" عادل" بقراءة ورش ابن السلطة، و"عودة"
بقراءة حفص ابن المعارضة، ولد إذا الحزب الذي يعتبر الوريث الشرعي
الوحيد لميراث جده حزب السلطة ما قبل الثالث من أغسطس ، ملك الأحزاب:
المنتصر بأمر الله . لا يمكن لأي من أفراد الشعب الموريتاني إذا إلا أن
يفرح لهذا الحدث الذي يمكن أن يعتبر بحق حدث السنة بل حدث القرن بأسره
، ولا يعنينا شيء من تلك المعارضة وأقوالها ، فقد كافانا الله شرها إذ
لم تحضر مراسيم الاحتفال هذه ، فهي الآن غرقى في تمحيص جزئيات قانونها
المنظم لها الذي لم تستطع بعد أن تتفق على صياغته بما يرضي كل مكوناتها
، بعكس الأغلبية التي حزمت أمرها واتفقت على أدق تفاصيل قانونها: قانون
السلطة ، قانون البقاء للأقوي والأصلح.
هكذا ولد إذا حزب السلطة واستكمل كل هياكله ، وإن كانت هناك خلافات بين
بعض برلمانييه قد أعقبت هذا الميلاد المجيد، بدعوى التهميش والإقصاء،
لكن تلك نزاعات أسرية بالمفهوم الحزبي وكثيرا ما تقع في مجتمعنا ، فأهل
أي مولود جديد يريدون دوما أن يكون اسم ابنهم وعقيقته تحت إمرتهم ،
وكذلك أخواله يريدون أن يشاركوا في عقيقة ابن بنتهم ، فتحدث بعض
الخلافات ، لكن سرعان ما تنتهي بعد انتهاء العقيقة مباشرة ، المهم أن
الحزب تشكل فألف مبروك لمهندسي ومنظري حزب السلطة ، وألف مبروك لرئيسه
، وألف مبروك للأمين العام الجديد ونوابه وكل هياكله.
وبعد أن فرغنا من واجب التهاني والتبريكات لميلاد الحزب الجديد ، دعونا
نكن أكثر واقعية وصراحة من تلك المجاملات التي لا تقدم ولا تؤخر ، ولا
تساهم لا في بناء الوطن ، ولا في تقدمه وازدهاره ، دعونا نطرح بعض
الأسئلة التي يمكن أن تساعدنا في معرفة بعض الأمور التي استعصت على
أفهامنا بخصوص حزب السلطة وما المغزى من نشأته ، لعل أبرز تلك الأسئلة
وأكثرها طرحا من لدن كل الفعاليات السياسية والحزبية هو: هل فعلا ستعود
البلاد إلى المربع الأول دولة الحزب الواحد ؟ ومن الرابح من كل ذلك ؟
،أعتقد أن كل الدلائل والمؤشرات الأولية ، تشير وبوضوح شديد أننا نسير
بخطى حثيثة نحو احتكار السلطة والنفوذ والمناصب لأعضاء الحزب الجديد
دون غيرهم ، وذلك ما بدأت بالفعل بوادره تطفو على السطح ، ممثلة في
الدعوة من بعض أطر حزب السلطة إلى إعادة تشكيل الحكومة وتوابعها وفق
أجندة الحزب الجديد .
والذي يجب أن لا يغيب عن أذهان هؤلاء الأطر وغيرهم، أن احتكار السلطة
والنفوذ والمناصب المهمة لشريحة معينة وأفراد معينين منضوين تحت لواء
الحزب ، لا يمكن أن يجلب لهذه البلاد إلا الاحتقان والسخط والتذمر ،
وذلك ما نحن في غنى عنه خصوصا في الفترة الحالية التي تمر البلاد فيها
بمرحلة شديدة الدقة والحساسية ، والتي تملي علينا جميعا أن نكون أكثر
تماسكا وقوة ، وأبعد ما نكون عن التجاذبات والاتهامات المتبادلة بين
الأغلبية والمعارضة .
ولعل السبب الأساس في توجس الخيفة من العودة لحزب ما قبل الثالث من
أغسطس ـ والاعتقاد بأن الحزب الجديد ليس سوى امتداد لعصر حزب الضعف
والانحطاط والمحسوبية والقبلية وغياب مفهوم الدولة ـ هو ظهور الغالبية
العظمى من رموز الفترة الاستثنائية في الواجهة الأمامية ليافطة الحزب
الجديد ، رغم يقيننا أن التوبة تجب ما قبلها وأن الإنسان يمكن أن يمر
بفترة يوصف بها بشتى الأوصاف السيئة ، لكن سرعان ما يعيد حساباته ويرجع
عن أفعاله ويقر بذنوبه ، عندها تصح توبته ولا أحد يمكن أن يلومه على ما
أقترف في الأيام الخالية .
لكن هل هذه التوبة مقبولة بميزان الشريعة السياسية ، وهل لها معنى في
العرف السياسي ؟ لا أظن أن أي سياسي يمكن أن ينأى بنفسه عن ماضيه
السياسي بكل إيجابياته وسلبياته ، أو أن يقنع الناس بأن العلة وراء
انتهاجه شعار الفساد ، كانت بسبب ضغوط أملتها ضروريات الحقبة ، وفرضتها
الإرادة السياسية لرئيس الدولة أنذاك ، وليس العيب فيه هو ، وأن الكل
في الهوى سوى ، وألا أحد أفضل من أحد ، وأن تلك أمة قد خلت ونحن أبناء
اليوم ، ولا نسأل عما فعل الأقدمون .
لكن ما يمكن للحزب أن يقنع به الرأي العام اليوم هو المحافظة على
واجهته من أن تتشوه برموز ليست سمعتهم بالحسنة ، وألا يجعل من التجربة
الماضية لحزب السلطة المثل الأعلى له .
وأظن أن الحزب الجديد بعد أن هدأت عواصف الانتقاد ، وبعد أن غيض ماء
اتهامات المعارضة له ، والتشكيك في الدوافع وراء إنشائه ، وبعد ما
استكمل كل هياكله ، يجب عليه بعد كل هذا ، أن يعيد حساباته بكل دقة
وواقعية وحكمة ، إذا كان يرغب فعلا في أن يدحض كل الاتهامات والتشكيكات
التي واكبت نشأته وأعقبت ميلاده ، ويجب ألا يغفل عن حقيقة مهمة ، وهي
أن العين عليه وعلى أطره ، وأن أي خرق للمبادئ والأهداف التي تسعى
الجمهورية الثالثة في موريتانيا إلى تحقيقها وعلى رأسها مكافحة الفساد
، وسوء التسيير والمحسوبية والقبلية ، وتسخير موارد الدولة في خدمة
الحزب ، والسعي في توظيف الحزب والسلطات الإدارية من أجل تزوير
الانتخابات وابتزاز شتى المكونات القبلية وتخويف ساكنة المدن والقرى ،
وشراء ذممهم لإنجاح مرشحيه داخلها ، كلها أمور لم تعد ممكنة في عصر
فضاء الانفتاح السياسي وحرية التعبير ، وأن الكل سيهب هبة واحدة من أجل
المحافظة على المكتسبات وإعادة الأمور إلى نصابها ، في حالة ما إذا
عادت ديمة لعادتها القديمة .