لم يكن أحد يتوقع أن تصير الأمور إلى ما صارت إليه ، بسبب الأمر
القانوني المشئوم رقم 24/2007 بتاريخ 9 ابريل 2007 المنظم لهيئة
المعارضة الديمقراطية ، والذي اعتبره الجميع أنذاك خطوة مهمة وسابقة
لها ما بعدها في توطيد مفاهيم الديمقراطية والنهوض بمؤسسة المعارضة
لتتبوأ مكانتها اللائقة في دولة العدالة والديمقراطية ، فإذا بهذا
الأمر القانوني ، يتحول إلى لغم يراد له أن يبقى مزروعا في أرض التفاهم
والوئام بين أطراف المعارضة حتى إذا ما وطئته قدم السلطة انفجر ، فحول
أرض التفاهم والوئام ، إلى جحيم التخاذل والصدام ، فصار كل حزب بما
لديهم فرحون ، وانقسمت المعارضة لتسهل أمام السلطة مهمة إفراغها من
محتواها ، ويا لها من فاجعة أليمة وخطب عظيم .
فبعد أن كانت يد المعارضة تزدان بخضاب التفاهم والانسجام الذي يضفي على
أصابعها الخمسة ، بهاء وجمالا لا نظير لهما ، هاهو الخضاب يشوه ، بفقد
أصبع لا غنى ليد المعارضة عنه ، لما له من أثر مهم في تدعيم الوحدة
الوطنية ، وإثراء التنوع الفسيفسائي في الواجهة الأمامية للمعارضة ،
إنه حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية ـ حركة التجديد ، الذي
يرأسه إبراهيما مختار صار، وذلك بعدما صار عدد النواب في الجمعية
الوطنية هو المعيار الوحيد للتمثيل داخل هيئة المعارضة ، وفق القانون
الجديد.
ولا أستبعد أن تبتر الأصبع الثانية ، بخروج مكون مهم من المعارضة لينضم
إلى الموالاة ، ثم تتوالى عملية البتر، بدخول مكون آخر في تيار سياسي
جديد ، إلى أن تصير المعارضة أثرا بعد عين.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بإلحاح : من المستفيد من كل ذلك؟ لماذا
تدعم الأغلبية هذا القانون الجديد ؟، أهو لسواد عيون المعارضة ؟ أم حبا
في بقائها قوية متماسكة ؟.
لا أظن أن القانون الجديد يمكن أن يشكل أرضية صلبة للتفاهم والوئام بين
المكونات الأربعة المتبقية من المعارضة ، إذا ما وقع المحظور وغيب
إبراهيما صار وحزبه ، لذلك فإنه من الضروري إيجاد صيغة توافقية بين كل
المكونات ، دون إقصاء أو تهميش ، والأمر هنا يتعلق بضرورة وجود حراك
داخل أحزاب المعارضة ، وظهور مبادرات من الداخل لرأب الصدع ، وإعادة
المياه إلى مجاريها .
وأهيب هنا بكل رمز من رموز المعارضة ، أن يكون عند حسن ظن الجماهير
العريضة التي صوتت له ، وأن يعتبر نفسه المسئول الوحيد عما يجري ، وألا
يظل منطق الاتهام والتشكيك في النوايا الغالب والمسيطر على منطق الحكمة
والتأني واتهام النفس بالخطأ والتقصير، وأن يسعى كل رمز في إيجاد حل
توافقي سريع وفعال، وأعني كلا من :
الرمز أحمد ولد داداه
الرمز محمد ولد مولود
الرمز جميل منصور
الرمز صالح ولد حننا
فعلى كل منكم تقع المسئولية كاملة يارموز، فيما جرى ويجري للمعارضة ،
فليس من المعقول أن تكونوا ، وأنتم النخبة التي يعول عليها الشعب
الموريتاني في إيجاد تغيير حقيقي في هذا البلد ، مختلفين ومتشتتين ،
لمجر مناصب لا تسمن ولا تغني من جوع ، فإن كان لكم يا رموز، آراء
مختلفة حول المناصب في مؤسسة المعارضة ، فإن الشعب الموريتاني يرى رأيا
واحدا وهو أن كل واحد منكم زعيم للمعارضة ، فكلكم رموز وزعماء ، وما
يمنحكم الشعب من ثقة وتقدير واحترام أهم وأغلى من أي منصب تمنحه لكم
السلطة عن طريق مؤسسة المعارضة ، والأجدر بكم ألا تخيبوا رأي الجمهور
فيكم ، فالكرة في مرماكم ، وأفضلكم وأقربكم إلى الشعب الموريتاني من
يخفض الجناح ويظهر التنازل ، ويرجع مؤشر "الأنا" عنده إلى أدنى درجاته.
وبما أن المشكلة تنحصر بمجملها بين حزبي تكتل قوى الديمقراطية واتحاد
قوى التقدم ، وبالتالي رئيسيهما الرمزين اللذين يكن لهما الشعب
الموريتاني ، وأكن لهما كل التقدير والاحترام ، الرمز أحمد ولد داداه
والرمز محمد ولد مولود ، فإني أرجو منهما خاصة أن ينأيا بنفسيهما عما
من شأنه إضعاف المعارضة وتشتتها ، وأيا كان عمق الخلاف ، وتباين وجهات
النظر ، فيجب أن يبقى منطق الحوار والتفاهم والتوافق الميسم الذي يطبع
كل قرارات المعارضة وأنشطتها ومناصبها.
بالله عليكما ألا يحز في النفس ، مشاهدة كل طيف من أطياف المعارضة على
حده ، يصدر بيانات الشجب والتنديد لما يقوم به الصهاينة في غزة من قتل
وتدمير ، وكذلك إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول عليه أفضل الصلاة
والسلام ؟، أهاتان قضيتان يمكن أن يطولهما الخلاف الموجود بين أطياف
المعارضة؟ لماذا لا تهب المعارضة مجتمعة لتحشد مئات الآلاف ، في مسيرة
موحدة ، يكون لها الأثر البالغ في نفوس المسلمين في كافة أنحاء
المعمورة ، بدل أن يتحرك كل طيف لوحده؟.
لا أظن أن ذلك يرضي أيا منكما ، فعندما تمس الأمة في صميم وحدتها
ومعتقداتها ، فلا يمكن أن يبقى للخلافات الداخلية أي أثر: فسب الرسول
عليه أفضل الصلاة والسلام ، لا يمكن أن يمر كسحابة صيف عابرة ، خصوصا
إذا تكرر وتنوعت أشكاله ، ولا يمكننا السكوت على ما يفعله الكيان
الغاشم بأهالينا وأبنائنا في غزة ، خصوصا وأن عقدة الذنب تطاردنا
بالسماح بوجود سفارة لهذا الكيان الغاصب على أرض المرابطين ، أرض
الكرامة والإباء والدين.
ما يؤمله ويرجوه كل غيور على وحدة هذا الوطن وتماسكه ، أن تكون
المعارضة قوية بما فيه الكفاية لإحداث توازن بينها وبين الأغلبية ، وأن
تتقوى كل يوم بانضمام حزب جديد لها ، ليكون باستطاعتها منع التفرد
بالسلطة وعودة دولة الحزب الواحد إلى هذه الربوع المعطاء ، وبالتالي
تلعب دورها في تكريس الديمقراطية بوجود قطبين قويين : معارضة وموالاة .
لكن أين هي هذه المعارضة القوية والمتماسكة والتي باستطاعتها الخروج
إلى الشارع لنصرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، ودعم إخواننا في
غزة بمئات الآلاف من الشعب الموريتاني.
أليس من مصلحة الكل بما فيهم الموالاة وجود معارضة كهذه ؟
لا أظن أن الأمر في غاية الصعوبة إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى
زعماء أحزاب المعارضة في إيجاد حلول لكل المسائل العالقة وتجاوز
الخلافات ، وإعادة رص الصفوف ، وإنهاء أزمة المناصب بما يرضي كل
الأطراف ، دون تمييز أو تهميش أو إقصاء .
وفي انتظار حدوث تلك المعجزة لا يبقى أمام المواطن البسيط إلا أن يصيح
بأعلى صوته :
أين أنت يا معارضة ؟ أين أنت يا معارضة ؟ أين أنت يا معارضة؟
أ