الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة     صحفيون يربكون الرئيس الموريتاني في فرنسا   -الحدث- رئيس موريتانيا يسود و لا يحكم، بقلم الخليل ولد مأمون -الحدث- ولد بلخير يأسف لدعم المجلس العسكري لولد الشيخ عبدالله   -الحدث-    موريتانيون في امريكا ينتقدون الرئيس و يهاجمون معاونيه -الحدث-     ولد الطايع يتأهب للعودة و يحلم باستعادة السلطة -الحدث-     صحف فرنسية : هل سيكون ولد الشيخ عبد الله دمية في يد العسكر ؟ -الحدث- كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف -الحدث- القضاء الموريتاني يحقق مع متهمين بتهريب مخدرات  -الحدث- اقزام بقامات عمالقة !،بقلم سيدي محمد ولد ابه

 

Alhadath :::: الحدث

رأي
موريتانيا، بوادر التغيير المرغوب أم نذر الارتداد المرهوب ؟، بقلم سليمان حامدن


خريطة موريتانيا ( الجزيرة نت )

 


رغم أن الحكومة الحالية لم تشكل إلا في 29 إبريل 2007، لكن انقضاء قرابة السنة من خمسية الرئيس المنتخب وحكومته "التكنوقراطية"؛ ربما يمثل مناسبة ملائمة لتقييم مدى نجاح حكامنا الجدد في تحقيق وعودهم بالتغيير الهادئ، وتدعيم الوحدة الوطنية، والإصلاح الاقتصادي الشامل.  لذلك سنحاول عبر الفقرات التالية أن نقيم نجاحات وإخفاقات السلطات الحالية في معالجة ملفات الاقتصاد والوحدة الوطنية والإرث الحقوقي، إضافة إلى طبيعة التعاطي مع الطيف السياسي المتنوع في البلاد، وتوجهات السياسة الخارجية الموريتانية. فضلا عن شكل العلاقة مع المؤسسة العسكرية، التي يعتقد البعض أن نواتها الصلبة لا تزال تدير موريتانيا من وراء حجاب.

آمال التغيير؛ كم من الوعود أنجز ؟


تعهد الرئيس المنتخب –وكذا رئيس حكومته ورئيس الجمعية الوطنية- خلال الحملة الرئاسية بإصلاح اقتصادي حقيقي، وإتباع سياسة اجتماعية تراعي الفئات الضعيفة، والاعتناء بالإدارة والعدالة والتعليم والتشغيل، وغير ذلك من العناوين البراقة؛ التي تتطلب تدابير هائلة؛ لترجمتها على أرض الواقع.
وفي هذا الصدد واجهت حكومة الزين ولد زيدان تحديات إعادة التوازنات الاقتصادية الكبرى في البلاد، وحصلت على وعود فلكية خلال منتدى باريس للمانحين. لكن المناخ الاقتصادي العام داخليا وخارجيا لم يكن مواتيا للحديث عن تحسن الأوضاع المعيشية للسكان.  فانتفاضة الغلاء التي اندلعت من أقصى الشرق الموريتاني –معقل الموالاة منذ عقود- شهر نوفمبر 2007، أوضحت بجلاء مدى هشاشة الواقع المعيشي لغالبية الموريتانيين، ولم يعد الأمر مقتصرا على المعدمين وذوي الدخل المحدود وإنما امتدت آثار الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الغذائية وزيادات أسعار الوقود والكهرباء والماء لتطال الطبقة الوسطى المحدودة. فتدنت القدرة الشرائية لموظفي الدولة ومستخدميها بفعل تجميد الرواتب.
وتجلى عجز الحكومة صارخا في تخليها عن شركة الخطوط الجوية الموريتانية، وترك عمالها الـ 400 نهبا للبطالة قبل أن تتعهد مجموعة البتيل القطرية بمنحهم الأولوية في التشغيل ضمن الشركة القطرية الموريتانية للطيران التي ستمتلك فيها حصة 60 %. لكن البطالة المزمنة ما تزال مستشرية في صفوف حملة الشهادات بما في ذلك الأطباء والمهندسون والدكاترة وغيرهم من ذوي الكفاءات العالية، الأمر الذي يدفع بجزء هام من الشباب الموريتاني إلى هجرة خارجية مكثفة.


ولم يكن قطاع التعليم أوفر حظا من حيث النجاحات فقد بلغت نسبة النجاح في البكالوريا معدلا متدنيا، وهددت أغلب الهيئات النقابية لأسلاك التعليم بالإضراب ودخلت في إعتصامات دورية. كما أضرب الأطباء الأخصائيون، في غمرة تدني جودة وغلاء الخدمات الصحية بالبلاد والانتشار الواسع للأدوية المغشوشة. كما شاع السفر إلى الخارج للعلاج حتى بين محدودي الدخل الذين يقصدون المغرب والسنغال وتونس للحصول على خدمة صحية موثوقة. كل هذا يحدث في بلد يعيش قرابة نصف مواطنيه بأقل من دولار في اليوم. ولا يتجاوز متوسط أمل الحياة لسكانه عند الولادة 51 سنة، وتصل نسبة الأمية بينهم إلى 41% وفق أكثر التقديرات تفاؤلا.
وإذا كان جل الموريتانيين قد عول على احتياطيات النفط والغاز في إحداث نقلة اقتصادية كبيرة، والخروج بالبلاد من قائمة الدول الأشد فقرا، إلا أن تدني الإنتاج الموريتاني من خامات النفط مؤخرا عن مستوى التوقعات، وقف عائقا في وجه تحقيق هذا الحلم.  وهكذا تعيش البلاد حاليا ضائقة اقتصادية حادة لم تفلح معها الخطط الاستعجالية، ولا التدخلات العشوائية المرتجلة، فموريتانيا التي تستورد 70 % من احتياجاتها الغذائية ويعاني قرابة 12 % من سكانها -حسب أرقام رسمية -من سوء التغذية الحاد؛ باتت على شفير أزمة غذائية غير مسبوقة يزيدها خطورة وضع دولي طاحن، يوشك أن تستحيل –في غياب معالجة فعالة- مجاعة لا قبل للبلد بها. وهو الذي يحاول لملمة جراح تاريخه؛ القريب والبعيد.



الوحدة الوطنية والإرث الإنساني


أدرك الرئيس المنتخب حساسية الملفات التي ورثها عن العسكر خاصة منها تلك المتعلقة بتعزيز الوحدة الوطنية، من خلال التعامل مع قضية المبعدين التي تعهد بحلها في السنة الأولى من حكمه، ومسألة الرق ومخلفاته، ولكنه لم يرد فتح ملفات أخرى حساسة من قبيل الإرث الحقوقي لنظام ولد الطائع والفساد الاقتصادي والمالي. يمكن القول إن الحكومة الحالية كسبت نقاطا إعلامية وسياسية معتبرة من خلال عودة دفعتين من اللاجئين الموريتانيين في السنغال، وسن قانون جديد يجرم ممارسة الرق. لكن الظروف التي اكتنفت عودة المبعدين والحالة التي آلت إليها ظروف إقامتهم الجديدة، وغياب أي تطبيق عملي حتى الآن لمقتضيات قانون إلغاء العبودية؛ قد تحد من نجاحات الحكومة في هذين الملفين اللذين يحسن السياسيون في الموالاة والمعارضة والدوائر الغربية استغلالهما.


فلم تكن فرحة أطراف من الموالاة كبيرة لدى استقبال الدفعة الأولى من اللاجئين، وأخذ كثيرون على الحكومة تجاهلها لحقوق الموريتانيين المسفرين من السنغال والسنغاليين من أصول موريتانية. وبالمثل لم تنقطع بيانات "أفلام" الممتعضة من تعامل السلطات مع العائدين والمستنقصة لما يلقونه من دعم وتعويض ودمج.  كذلك فإن الوضعية الاقتصادية الصعبة للبلاد تمثل بيئة خصبة لزرع بذور الشقاق والفرقة بين فئات المجتمع، وفي هذا الإطار تندرج الحملات الإعلامية والبيانات التحريضية الساعية إلى الفصل بين مجموعة البيضان على أساس اللون، والتي من غير المستبعد أن تكون من تدبير أطراف خارجية بهدف "درفرة" الحياة السياسية بموريتانيا على غرار النموذج السوداني، بعدما كرس -أو يكاد- تقسيم الرئاسات الثلاث بين الجماعات الإثنية النموذج اللبناني.  وفي هذا السياق ظهرت هنا وهناك دعوات إلى إعادة النظر في مكانة اللغة العربية مقارنة باللغات الوطنية الأخرى، ومطالبات بإصلاح إداري إقليمي يراعي التركيبة الإثنية للبلاد. كما عرفت الأيام التشاورية حول عودة المبعدين دعوات صريحة وأحيانا محتشمة إلى معالجة شاملة لملفات الإرث الحقوقي للأنظمة الاستثنائية. لكن تلك الدعوات لم تجد بعد آذانا صاغية لدى السلطات العليا كونها ربما تمس المؤسسة العسكرية والأمنية، وقد تفتح بابا لتصفية الحسابات السياسية والعرقية بشكل صارخ ينذر بتمزيق وحدة البلاد.



التحدي الأمني، بين خطر الإرهاب والجريمة المنظمة


مثلت قضايا المخدرات، وجرائم السطو والقتل والاغتصاب، وشبكات الهجرة السرية، والأعمال الإرهابية، مادة خصبة للتناول الاعلامي والسياسي في موريتانيا طيلة السنة الماضية. وهي كلها أوجه متعددة لخلل أمني مستحكم لا شك أن جذوره تعود إلى ما قبل تسلم الرئيس الحالي لمهامه.
يفتح التعامل البطيء مع ملفات المخدرات وربما محاولة تناسيها، الباب لتساؤلات ملحة: من المستفيد في موريتانيا من تجارة المخدرات ؟ وتهريب المهاجرين ؟ وتجارة السلاح ؟
ولا يمكن عزل الخطر الإرهابي عن الخلل الأمني؛ فالتحالف وارد بين الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة والمتسترين عليهما والمستفيدين منهما، والدول الفاشلة بالمعنى الجغراسياسي تمثل أنسب البيئات الاجتماعية والاقتصادية لتنامي مثل تلك الظواهر.
وإذا كانت كافة القوى السياسية قد أدانت بشدة حوادث ألاك والغلاوية فإن استهداف محيط السفارة الاسرائيلية بنواكشوط ربما بدا واردا في نظر كثير من الموريتانيين ولو بشكل غير معلن. وتؤشر حادثة فرار أحد المشبه بهم في مقتل السياح الفرنسيين إلى هشاشة القبضة الأمنية، كون عملية الفرار تمت في ظرف دقيق، وفي يوم تستقبل فيه البلاد ضيفا كبيرا، تأمل أن تسهم استثمارات بلاده وشقيقاتها النفطيات في انتشال الاقتصاد الوطني من حالة التردي والكساد. أتراه سيقتنع –وأمثاله- بجدوى الاستثمار في بلد غير آمن ؟ حتى وإن كان يعرف انتقالا ديمقراطيا "نموذجيا".



انفتاح سياسي وإعلامي غير مسبوق
ربما لم تعرف موريتانيا منذ عقود حالة من الحرية السياسية والإعلامية كالتي عرفتها منذ ما بعد المرحلة الانتقالية "الأولى". فباب تشكيل الأحزاب والمنظمات والجمعيات والنقابات وإصدار الصحف على مصراعيه، لم يقص من ذلك توجه سياسي أو اجتماعي أو ثقافي.  تتقاسم المشهد السياسي في موريتانيا اليوم عشرات الأحزاب، بعضها قزمي هامشي يقتصر حضوره على المواسم الانتخابية، وبعضها يقنع ببيانات ومؤتمرات صحفية مناسباتية، لكن منها أحزابا ذات توجهات فكرية ومشاريع مجتمعية وتمثيل برلماني ومحلي متفاوت. أما الجمعيات والمنظمات الأهلية فتعد بالمئات، مثلها مثل الصحف والنشريات، التي اصطفت منها وزارة الثقافة والاتصال بضع عشرات تستحق في نظرها الدعم والمساندة. أما التلفزيون الرسمي فيركز من بين كل نشاطات المجتمع المدني على جهود مؤسسة السيدة الأولى حديثة النشأة. رأى البعض في إعفاء مدير الوكالة الموريتانية السابق، ومقدم برنامج تلفزيوني حواري؛ انتكاسة للحرية الإعلامية في البلاد. كما تستنقص المعارضة الديمقراطية المساحة الممنوحة لها في الإعلام الرسمي.



التعايش مع المعارضة؛ وملامح المشهد السياسي


ما تزال علاقة السلطة الجديدة بالمعارضة الديمقراطية في حدود التعاطي السياسي المقبول؛ فرئيس الجمهورية يستقبل بشكل دوري زعيمها وقادة أحزابها جريا على سنة التشاور التي أرساها رئيس المجلس العسكري. وإن لم تصل حميمية العلاقة بين الطرفين حد تشكيل حكومة وحدة وطنية كانت بعض القوى السياسية في المعارضة –ولاحقا من الموالاة- قد نادت بها.
لكن المتتبع لحراك المشهد السياسي الموريتاني بعد سنة من اصطفافات شوط الرئاسيات الثاني، لا يملك إلا أن يتوقف مع البعض حول الفرضية القائلة إن في المعارضة موالاة خفية، وفي الموالاة معارضة متخفية. فمكونات كلا المعسكرين ينقصها الانسجام الداخلي، وإن كانت المعارضة أقدر غالبا على إخفاء تناقضاتها.
فبعد تشكيل حزب "عادل" من قبل "الجماعة الرئاسية" بمستقليها ومن سايرهم من الميثاقيين، اصطفت فلول الأغلبية المغبونة تحت يافطة "ميثاق الوحدة" معلنة دعمها لبرنامج رئيس الجمهورية، وداعية إلى تعديل وزاري ينصف سائر الموالاة. وفي جانب آخر يقف حزب التحالف الشعبي التقدمي مزهوا بمكاسبه السياسية، متوجسا من مشروع التيار الرئاسي، وأصوات الأغلبية المتململة؛ المتعطشة إلى نصيبها من الكعكة الوزارية، ولسان حالها يقول: "ما بعد السنة إلا الأكل".
حالة الانقسام والتشرذم بين مكونات والتي بلغت أوجها خلال انتفاضة الغلاء 2007؛ دفعت بأطراف منها إلى محاولة تشكيل إطار جامع ذي رئاسة تناوبية يمكنها من العمل السياسي كفريق واحد على غرار تكتل المعارضة في معظم الأحيان.
لكن غياب الانسجام بين كتل المعارضة هي الأخرى بدا صارخا لدى اقتراح تعديل قانون مؤسسة زعيم المعارضة الديمقراطية، وتساءل مراقبون يومها ما إذا كان حزب ولد مولود –مقترح التعديل- رأس حربة المعارضة التقدمية أم شوكة في خاصرتها ؟. فالمعيار البرلماني لتوزيع "مناصب" المؤسسة يهدد بإقصاء مرشح الرئاسيات إبراهيما مختار صار وحزبه غير الممثل برلمانيا؛ لكن أساس الأصوات في اقتراع الرئاسة لا ينطبق أيضا على النائب جميل ولد منصور رئيس حزب تواصل. وفي غياب اتفاق أحزاب المعارضة على معيار موحد؛ كانت أصوات معظم الموالاة داخل الجمعية الوطنية حكما فيصلا في تغليب كفة الداعين إلى تعديل القانون !. لكن المعارضة الموريتانية غالبا ما تقف موحدة –مع أقطاب من الموالاة- خاصة إذا تعلق الأمر ببعض ملفات السياسة الخارجية.



السياسة الخارجية؛ مكاسب ومحاذير


أدى الرئيس المنتخب قرابة العشرين زيارة خارجية في أقل من سنة، تفاوتت بين زيارة الدولة ذات الصبغة الثنائية والمشاركة في القمم الدولية والقارية والإقليمية. وهو نشاط دبلوماسي كبير نسج فيه على منوال سلفه رئيس المجلس العسكري. لذلك تدعمت علاقات موريتانيا الخارجية مع دول عربية نفطية عرفت الصلات معها، خلال حكم ولد الطائع؛ فترات شد وجذب.
غير أن الرئيس الجديد لم يف حتى الآن بوعده بشأن عرض مسألة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل على البرلمان للبت فيها، رغم الإجماع الشعبي والسياسي –المعلن حتى في صفوف قوى الموالاة- على المطالبة بقطعها، ورغم ما يمكن أن يجلبه استمرارها من استهداف إرهابي؛ تجلت نذره في هجوم فاتح فبراير الماضي على محيط سفارة الكيان الصهيوني؛ الذي تبناه "تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي".
وقد يبرر المتفهمون تريث الرئيس في وضع حد لتلك العلاقة الإشكالية بحساسية المسألة وصلتها الوثيقة بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي استقبل رئيسها بوش؛ ولد الشيخ عبد الله على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مع لفيف من قادة بلدان شهدت انفتاحا سياسيا "إيجابيا".
كما تولي أمريكا اهتماما متزايدا لموريتانيا على الصعيدين العسكري والأمني وربما الاقتصادي، وقد سرت شائعات أرقت الحكومة حول احتمال وجود سجن سري للسي آي أي، وربما النية لإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في موريتانيا بحكم موقعها المتميز في الطرف الغربي من الصحراء الكبرى؛ الساحة الجديدة للحرب على ما يسمى بالإرهاب.
أما على صعيد علاقات موريتانيا بأوربا فقد توصل الطرفان إلى اتفاقية جديدة للتعاون في مجال الصيد، يرجى أن تقلل من الاستنزاف المستمر لمواردنا السمكية رغم تقليص عائداتها المالية. كما تكرس دور البلاد كحارس متقدم للسواحل الأوربية –خاصة الاسبانية- ضد سيل الهجرة السرية الوافد من إفريقيا جنوب الصحراء.
لكن كثيرا من المراقبين لا يجزمون بأن علاقات الحكومتين الفرنسية والموريتانية تمكر بأفضل مراحلها، فقد استبعد ساركوزي موريتانيا حتى الآن من أجندة سفراته المشحونة، رغم أنه جال في محيطها الإقليمي شمالا وجنوبا. وتحدثت تقارير إعلامية عن أنه لم يخصص لاستقبال رئيسها المنتخب في باريس سوى أقل من نصف ساعة.
وكانت الخارجية الفرنسية قد دعت رعاياها إلى عدم السفر إلى موريتانيا بعد مقتل أربعة فرنسيين يوم 24 ديسمبر 2007. وهو ما أضر بسمعة موريتانيا وجاذبيتها السياحية. ورغم تطمينات كوشنير خلال زيارته لنواكشوط، فإن لغته الدبلوماسية لن تعوض الخسائر الاقتصادية الناجمة عن إلغاء رالي دكار هذه السنة، وربما لن تشفع لمقربين من دائرة الحكم قد تطالهم يد العدالة الفرنسية فيما بات يعرف بفضيحة "التأمين الصحي". تلك العدالة ذات المكيالين؛ التي تطالب بحاسب عسير في حق قتلة السياح الفرنسيين، وتغض الطرف –حتى الآن- عن إساءة معاملة المحامية الموريتانية فاطمة أمباي ومواطنها المهاجر.
وفي المحيط المغاربي زار ولد الشيخ عبد الله طرابلس مرتين، إحداهما قبيل قمة الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا، كما توقف بها عائدا من القمة العربية بدمشق. وسافر إلى قمة لشبونة الأورو-إفريقية على متن طائرة ليبية. وبدعوة من نظيره التونسي قضى الرئيس الموريتاني بتونس ثلاثة أيام في زيارة دولة. بينما تأجلت زيارة ملك المغرب التي كانت مقررة لنواكشوط وسط جدل إعلامي حول تحذيرات ذات طابع أمني. وتحاول الحكومة الحالية –وهي تشارك في مفاوضات منهاست- أن تقف موقفا وسطا بين أطراف قضية الصحراء الغربية. تلك القضية التي كانت يوما قبل ثلاثة عقود وراء إحكام مؤسسة الجيش قبضتها على المعترك السياسي وصنع القرار في موريتانيا.

 

نواة المجلس العسكري وإشكالية صنع القرار


بقدرة قادر صعد نجم المرشح الرئاسي "المستقل"؛ سيد محمد ولد الشيخ عبد الله، في أقل من عشرة أشهر على عودته إلى المعترك السياسي من بابه الواسع، وهو الوزير السابق في الحقبتين الداداهية والطائعية.  وهكذا أحرز ولد الشيخ عبد الله خلال شوط الرئاسيات الأول الرتب الأولى في عشر ولايات داخلية، فيما لم تتجاوز حصته عشر الناخبين في العاصمتين نواكشوط ونواذيبو، وأقل من خمس وربع الأصوات على التوالي في تيرس زمور الولاية المعدنية، والترارزة الولاية الساحلية الأقرب إلى العاصمة. وفي الشوط الثاني فاز "الرئيس المؤتمن" بفارق 40000 صوت عن حصة زعيم المعارضة، وبدا أن الكفة مالت لصالح الثقل الديمغرافي لولايات العمق الصحراوي الريفي على حساب الواجهة الأطلسية الحضرية.
نظرت المعارضة الموريتانية إلى الرئيس المنتخب على أنه المرشح المدعوم من نواة المجلس العسكري سرا وعلانية، وسوقت تلك الأطروحة حقيقة لا مراء فيها؛ حتى باعتراف أولئك الذين ساندوا ولد الشيخ عبد الله فيما بعد. فها هو زعيم التحالف مسعود ولد بلخير -رئيس الجمعية الوطنية- يؤكد في مقابلة مع أسبوعية جون أفريك أن الرئيس المنتخب لم يكن ليفوز لولا دعم المجلس العسكري له بالنفوذ والنقود. فلماذا اصطفى العسكر ولد الشيخ عبد الله من بين المرشحين التسعة عشر ؟ وما موقع المؤسسة العسكرية من صنع القرار بعد مرور سنة على الرئاسيات ؟


ظاهريا خرج رئيس المجلس العسكري العقيد أعل ولد محمد فال من القصر الرمادي مساء 19 أبريل 2007، بعدما تبادل الكراسي مع الرئيس المؤتمن خلال حفل تنصيب مشهود. لكن أعضاء محوريين في المجلس العسكري السابق لا يزالون في مواقع مركزية من دائرة صنع القرار يتعلق الأمر خاصة بالعقيد –المرقى مؤخرا إلى رتبة جنرال- محمد ولد عبد العزيز الذي تتحدث بعض التقارير عن إمكانية توليه أعلى منصب عسكري في البلاد يجمع بين يديه قيادة جميع الأركان الحربية. كما يتمتع كل من مدير الأمن الوطني ولد الغزواني وقائد اركان الجيش الوطني فلكس نيغري بنفوذ قوي على ما يبدو في موريتانيا ما بعد 3 أغسطس 2005. ولا يستبعد محللون أن يكون لولد محمد فال نفوذ كبير في دائرة الحكم ولو من وراء حجاب، إذ تكاد تحتجب مراكز القوة الحقيقية الفاعلة في البلاد اليوم، خلف واجهات سياسية ومالية مبهمة الملامح والعناوين. ويبقى السؤال المحوري في نظر البعض: من يحكم موريتانيا ؟ وكيف ؟


أ. سليمان ولد حامدن
محاضر مساعد - جامعة سبها – ليبيا
Soulaymane77@yahoo.fr