لقد تعرض المجتمع الموريتاني خلال العقدين الماضيين لتكريس بعض
المفاهيم الخطيرة من طرف النظام البائد، و قد شكلت هذه المفاهيم نقلة
نوعية في فكر هذا المجتمع، وطريقة تعاطيه مع قضاياه المصيرية. وقد
انعكس هذا التوجه الذي ساد الأوساط الموريتانية في الفترة السابقة بشكل
سلبي على قيم المجتمع و مرتكزا ته، و تجلى هذا الانعكاس في القفز على
كل ما يمت بصلة للأخلاق و الكرامة، فأصبحت النظرة المادية و النفعية
الهاجس الذي يراود كل أطياف هذا المجتمع، إلا من رحم ربك، فبيعت
المبادئ و غيب أصحابها.
و في هذا الوضع المدلهم ترد على الذهن تساؤلات عديدة، يأتي في مقدمتها:
أين دور النخبة المثقفة في مجتمعنا؟ و أين الضمير الأخلاقي، بل أين
الوازع الديني لمجتمع عرف التدين الفطري؟.
إن المتأمل لواقعنا اليوم سيصاب بدهشة كبيرة و استغراب قد يفضيان به
إلى اليأس و القنوط، وذلك بسبب ما آلت إليه منظومتنا الأخلاقية و
القيمية، فما نعيشه اليوم في هذا المجال ليس مجرد كلمات تنطق بها
الألسنة، بل هو مضامين تؤثر بصورة أو بأخرى على التوجهات الحقيقية
لأفراد مجتمعنا في أية مناسبة سياسية.
فقد أصبح أفراد مجتمعنا لا يملكون القدرة على التمييز ما بين الحق و
الباطل و الصحيح و الفاسد و الممكن و المستحيل.
وقد كان الأحرى بنخبتنا أن توجه المجتمع إلى الطريق الصحيح، وأن تحول
دون القفز على ثوابته وقيمه ومصالحه وتدفع في سبيل ذلك أي ثمن، إلا أن
هذه الأخيرة كانت في مقدمة المصفقين للنظام البائد، وهاهي الآن يحدوها
الحنين، بعد ما حدث من تغيير إلى العودة إلى النظام البائد، فإلى أي
منطق يتحاكم هؤلاء؟
إن أول ما نستنتجه من واقعنا اليوم في موريتانيا هو غياب روح الوطنية
لدى شريحة كبيرة من مجتمعنا، فكم هم الذين عبثوا بمقدرات هذا البلد
وثرواته وأوصلوه إلى طريق مسدود لا هم لهم سوى تحقيق مآربهم الشخصية!!
إن أمثال هؤلاء لسنا بحاجة إليهم مهما تنكروا تحت أي غطاء، لأنهم من
أوصلونا إلى ما نحن فيه، وقد آن الأوان أن نوقفهم عند حدهم، وأن
نحاسبهم على ما اقترفوا من جرائم في حق وطننا الحبيب.
رغم هذا الوضع الخطير الذي ساد البلد في الفترة السابقة، ظل بعض
الشرفاء وأصحاب المبادئ من أبنائه حريصين على التمسك بهويته، والعمل
على حمايته قدر المستطاع من الانزلاق إلى ما لا تحمد عقباه، بسبب النهج
الذي كان يسير وفقه النظام البائد وزمرته الفاسدة.
إنما نحتاجه اليوم في موريتانيا هم من تغمرهم روح الوطنية، يتصفون بها
في مواقفهم ويتحلون بها في آرائهم ويقيمون عليها برامجهم، يجعلون من
أبناء هذا الوطن جسرا واحدا نعبر من خلاله إلى بر الأمان، مجسدين بذلك
قطيعة مع الماضي القاتم ومؤسسين لمرحلة جديدة تقوم على الديمقراطية
الحقيقية، وتوفر التنمية والعدالة والسلم الاجتماعي.