لقد سمحتْ الأشهر السبعة عشر الأخيرة بمستويات معتبرة من التفكك التدريجي
للسلطة الرمزية التي ظلتْ تتمتع بها الشرائح المتنفذة المرتبطة بالنظام
الموريتاني المنهار. وكان ما سمي بـ "أزمة المستقلين" ضارة نافعة مكنت
أولا من إلقاء مزيد من الضوء الفاحص على مناطق النفوذ التي ظلتْ
الشرائح المعنية تستثمرها وعلى التمددات النصف خفية التي تعضدها وعلى
مرتكزاتها اللامباشرة وخصوصا على الإطار الأعمق التي تمثله البنيات
المؤسسية الخلفية التقليدية والرسمية. وقد ظهر بين نقاط أساسية أخرى أن
الأزمة الاجتماعية والأخلاقية النفسية التي تطحن النخب والشرائح
المتنفذة الموروثة عن العقود الأخيرة والتي حاولنا تحليل عدد من
جوانبها في مناسبات سابقة قد صارت جزءا ماديا ملموسا من أزمة السلطة
السياسية ومن أزمة تمثلها.غير أنه وفي المستوى الآني الميداني فإن تلك
الحالة قد أضعفتْ حظوظ الشرائح المعنية في امتلاك "مشروع" خاص بها فيما
يتجاوز الخطط والخطط الجزئية المضادة بالرغم مما "توفر" لديها من
إمكانيات مادية وشبه مادية بل وإلى حد ما من خبرات "تعبوية" في خلق
ولاءات تعتمد بداهة في أغلب الأحيان على شراء الذمم أو ما في معناه.
-2-
كما مكنت "أزمة المستقلين" وما تلاها خلال الحملات الانتخابية من
اكتشاف حدود المفاصلة التي تشكلتْ في الأشهر بل وفي السنوات الأخيرة.
حدود مصلحية وإلى مستوى ما مبدئية بدأت تتشكل على أسس جديدة. ولا مراء
في أن الولاءات التقليدية ما تزال تلعب دورا فاعلا ولكنه لم يعد
إحصائيا إلا عاملا بين عوامل كثيرة. فالمعادلة "لكل مُواطن بالغ صوته"
وإن لم تعط أقصى ما تستطيع أن تعطيه، لأسباب يعسر تخطيها مرحليا إلا
بصفة عرضية، فإنها لعبت دورا واضحا يتناسب، في ظل المعطيات الأخرى
المتضافرة، مع التحسينات الفنية النسبية التي عرفتها الاقتراعات. وهي
تحسينات يلزم أن تظل محل اهتمام حثيث وموضع ضغط وتعبئة مستمرين.
-3-
إلى ذلك مكنت "أزمة المستقلين" من إدراك حجم الاهتمام الخاص الذي باتت
توليه هيئات المجتمع المدني عبر العالم بالتجربة الانتقالية
الموريتانية. فسمحتْ تلك الأزمة باستنفار هذه الهيئات بأسهل بكثير مما
كان عليه الأمر في الماضي. ومهما يكن الدور الإيجابي لتخوفات الدول
الكبرى المعنية بالشأن الموريتاني من أي عودة إلى مرحلة الاحتقان الذي
يهدد مصالحها فإن تجربة العقود الأخيرة تُثبت أن أغلب هيئات المجتمع
المدني في العالم قد أضحتْ تمثل أبرز وسائل الضغط على المؤسسات
الحكومية الرسمية الخارجية كما على المؤسسات الحكومية المحلية وأن
دورها أضحى مركزيا من منظورات عديدة في مسلسلات التغيير السلمي. ومن
هذا الاعتبار يُتوقع أن تكون مشاركتها الرقابية المباشرة أو غير
المباشرة في الاقتراع الرئاسي الحالي أكثر حسما من مشاركة مراقبي
المؤسسات الدولية الرسمية على أهمية الأخيرة، بل إن الهيئات المدنية هي
ما يمنح حضور المؤسسات الرسمية مستوى ما من الفاعلية والجدية. لاسيما
أن السنوات الأخيرة قد أقنعت عددا من صناع القرار الأوربي المعنيين
بالشأن الموريتاني بأن أي سلطة لا تتمتع بحد أدنى من الشرعية الشعبية
والتفاهم الجماعي السياسي لن تستطيع تفادي أزمة الاحتقان في بلد يمر
بظروف حساسة محليا وإقليميا ودوليا.
-4-
بيد أنه لن يمكن منح المعطيات الجديدة كامل دلالتها الفاعلة والمثمرة
ما لم تتضافر عوامل الضغط الموريتاني الداخلي والخارجي على الصعيدين
السياسي والمدني. وما هنا أهمية أن نتدارك جميعا أنفسنا وأن نزيد الإلحاح
على الأهمية المحورية للاستحقاق الحالي بالنسبة لحاضر ومستقبل البلد.
وهو مستوى من الوعي لا يمكن أن ينعكس سلوكيا إلا إذا تم أخذ الحملة الانتخابية
مأخذ الجد نقاشا وتمحيصا وتم الحد من المستوى الكرنفالي لصالح المستوى
البرنامجي.
التغيير مسلسل مركب بداهة، واستبدال الأفراد مهم ولكن أهميته محدودة
إذا لم تُجسِّد تغييرا في أنماط التفكير والممارسة. هدف التغيير
السياسي، ولنتذكر ذلك مرة إضافية، هو تغيير منطق الحكم وأسلوبه في
العمق لا في السطح. وبالنسبة للحالة الموريتانية فإن تجاوز الحكم
الفردي أو الأوتوقراطي كأحد الأولويات الجلية يتطلب نقاشا بعيدا عن الاحتفالية
يهيئ نفسيا ورمزيا المترشحين لاستجلاء معنى المهمة التي تنتظر أو يُفتَرض
أنها تنتظر أحدهم كتكليف لا كتشريف.
بدي ولد ابنو، كاتب موريتاني يقيم
في باريس
beddy_beddy@yahoo.fr