كم أنا سعيد أن أتوجه إليكم اليوم من هذه المدينة المِعْطَاءِ
المِضْيَافِ، قلب الحوض الشرقي، مدينة النعمة، ونحن نَتَنَسَّمُ عَبَقَ
التاريخ المجيد، من مكتباتنا التاريخية، من مسالك القوافل، من هذه
الحفاوة الحاتمية الماثلة أمامنا نماذجَ شهامةٍ ومُروءةٍ وإباءٍ، من
هذا ومن غيره، أتفاءلُ خيرا بعهد زاهر تَنْعَمُ فيه بلادُنا باليمن
والأمن والنماء وتستعيد دورها التاريخي في نشر العلم والمحبة والسلام.
إخواني، أخواتي
في غضون أيام قليلة يتوجه الشعب الموريتاني إلى صناديق الاقتراع
لاختيار خادم أجير للأمة تناط به مهمات جسام كتعزيز الوحدة الوطنية،
وإيجاد الإطار المؤسسي الكفيل بضمان الممارسة الكاملة الفعلية للحريات
الفردية والعمومية، وتحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة لكافة أرجاء
الجمهورية، وبناء الإنسان الموريتاني المتعلم المنفتح على عصره،
المتجذر في انتمائه وهُوِّيَّتِهِ، الذي هو أساس هذه التنمية: وسيلتها
الوحيدة وغايتها القصوى في الوقت نفسه. هذه المهمات الجسام التي ذكرتها
آنفا، ننقلها اليوم من مستوى الأماني و التعميم النظري لنجسدها في
مائتي إجراء عملي ثم لنحولها من حيز القول إلى حيز الفعل الملموس بحول
الله تعالى.
أيها الإخوة والأخوات
حين أعربت عن استعدادي لتحمل هذه الأمانة لم يكن يدفعني إلى ذلك مجرد
الطموح الشخصي – وإن كان ذلك حقا مشروعا- بل لأنني، من خلال معايشتي
الطويلة للهم التنموي الوطني، أعتقد أنني قادر على إخراج موريتانيا، كل
موريتانيا، من حَمَإِ التخلف، وعلى الارتقاء بها إلى المكانة اللائقة ،
بعون الله أولا وآخرا، ثم بالمشاركة الفعلية لأبناء موريتانيا، كل
أبناء موريتانيا، الذين هم أبناء بيت واحد، متساوون في الحقوق، متساوون
في الواجبات، لا مجال لأي شكل من أشكال الفصل الموهوم بينهم، لا في
العرق ولا في الجهة، ولا في القبيلة، ولا في غير ذلك من أشكال الفصل
والتمييز المنبوذين.
إن تحقيق التقدم والرفاه لبلادنا لم يكن في يوم من الأيام التي خلت -
لو توفرت الإرادة السياسية - بالأمر العسير، لكننا لسنا الآن بصدد
محاسبة الماضي،{{تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون
عما كانوا يعملون}} ولن نكسب رهان المستقبل وتحدياته ما لم نجعله
وُجهتنا جميعا. فنحن متخلفون عن عالم تتسارع وتيرة تحولاته يوما بعد
يوم. ولا تسمح لنا سرعة التحولات وجسامة المسؤولية التاريخية بترف
الالتفات إلى الماضي إلا بقدر ما تقتضي ذلك استعادةُ لُحمتنا وتوثيقُ
الأواصِر بيننا، وإرساؤُنا لأسس مكينة من السلم الاجتماعي العادل
الدائم الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويحرر الشرائح الأكثر فقرا، داخل
مجتمعنا، من رق الفقر والجهل والتخلف.
إخواني..أخواتي
تلكم كانت روح البرنامج الذي أقدمه إلى حضراتكم اليوم آملا أن يحوز
ثقتكم ومؤازرتكم إذا ما اقتنعتم بوجاهته ومدى استجابته للمشكلات
الملموسة التي تشهدها موريتانيا اليوم مما يتصل ببناء الدولة والاقتصاد
والإنسان.
وأنا واثق من أن لحظة التغيير نحو الأفضل قد أزِفت، وأن خشية المتخوفين
من عودة الممارسات التي قادت بلادنا إلى ما هي عليه اليوم، لم يعد لها
اليوم ما يبررها (يأبى الله ذلك وابْنَا قَيْلة).
أيها الموريتانيون، أيتها الموريتانيات
نفتتح الآن حملتنا الانتخابية على امتداد التراب الوطني، وقد جعلنا
نُصب أعيننا، وأَوْلَى أولوياتنا، خلال هذه الحملة النظيفة، احترامَ
الرأي الآخر، والبعد عن التعصب، اقتناعا منا بأننا نسعى جميعا إلى ما
فيه المصلحة العليا للأمة، وإن اختلفت آراؤنا – وهذا طبيعي - حول تحديد
هذه المصلحة. وأولى المصالح الوطنية بأن يُحافَظ عليه الوئامُ الوطنيُّ
والإخاءُ والسلم الاجتماعي، وأن نظل – بمقتضى الشرع – كالبنيان المرصوص
يشد بعضه بعضا، وأن نستحضر أن الفائز على كل حال حين تنظم انتخابات
شفافة ونزيهة، هو الشعب الموريتاني. وإني لأغتنم هذا المنبر لأجدد
دعوتي لهذا الشعب العظيم كي يستمسكَ بالوحدة الوطنية القائمة على أساس
مكين من السلم والعدالة الاجتماعية ويبذل في سبيلها كل غال ونفيس.
وإني إذ أختتم كلمتي هذه لأجدد شكري لهذا الجمع الميمون من أجلاء
وجهائنا، ونخبة أطرنا، ومختلف قوانا الحية، وخيرة شبابنا المشمرين عن
سواعد الجد لبناء غد مشرق تنعم بلادنا، كلُّ بلادنا، فيه بالحرية
والأمن والنماء.
كما أغتنم هذه الفرصة أيضا لأجدد شكري لقواتنا المسلحة وقوات أمننا
الوطنية لما قامت به من تغيير فتح المجال أمام المواطن للتعبير عن رأيه
بحرية و نزاهة، والذي نأمل أن يتوج بالحياد و الشفافية في هذه
الاستحقاقات الرئاسية. كما أذكر بما للقوات المسلحة وقوات الأمن من دور
في البناء كعمود فقري للدولة، مما يجعلني ألتزم بوضع هذه المؤسسة في
الظروف التي تخولها القيام بمهامها على أحسن وجه، وذلك من خلال التجهيز
والتكوين والتدريب وتحسين وضعية أفرادها على جميع الأصعدة المعنوية
والمادية والاجتماعية.
{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه
أنيب}