من مدينة كيفه، قلب موريتانيا، أتشرف اليوم أن أخاطبكم بمناسبة حلول
الاستحقاقات الرئاسية، حيث قرر مؤتمر الحزب الاستثنائي الأخير تشريفي
بتحمل مسؤولية عظيمة، هي الترشح لرئاسة الجمهورية. إن اختيار هذه
المدينة الجميلة، التي يفوح منها عبق التاريخ، بما فيه من تضحيات، أرض
المحاظر والمنارات التي تتجسد فيها موريتانيا بمكوناتها الاجتماعية
المختلفة، لتعبير عن العناية التي نوليها للولايات الشرقية، ذات الموقع
الاستراتيجي، مع كثافتها السكانية، وثروتها الحيوانية والزراعية
الكبيرة، ومخزونها من المياه، فضلا عن بشائر وجود ثروة طبيعية هامة وهو
ما يؤهلها لتحدث نهضة تنموية، إلا أن هذه الولايات ظلت تعاني من العزلة
والتهميش في البرامج التنموية والاستثمار والبنى التحتية.
أيها الموريتانيون، أيتها الموريتانيات،
صحيح،.. إن موريتانيا دولة غنية، تمتلك طاقات بشرية خلاقة، وثقافة
تليدة، وثروات هامة في شتى المجالات، في الزراعة والمواشي والسمك وفي
المعادن والنفط والغاز الطبيعي، لكنها بلد فقير ومتخلف بسبب انهيار
النظام التعليمي والصحي وتردي الإدارة والقضاء وضعف الصناعة والزراعة
وتدني الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وبنية تحتية، مع انتشار
البطالة، خاصة في صفوف الشباب، حتى حملة الشهادات الجامعية منه،
وانعدام التأهيل، وتراجع القوة الشرائية للمواطن. ودون التعمق في تحليل
الوضعية الاقتصادية الحالية، يظهر جليا مدى معاناة المواطن الموريتاني
اليومية، التي ليست إلا نتيجة لتراكم السياسات الاقتصادية الفاشلة.
يضاف إلى هذا كله، التملص المخيف من قيم هذا البلد الأخلاقية، المبنية
على مبادئ الإسلام النقية السمحة، وانتشار قيم غريبة تشوه وجه هذا
الشعب الطيب الطاهر، وتثبط من عزائم أبنائه وتحد من طموحهم في اللحاق
بركب الحضارة والتقدم.
أيها الموريتانيون، أيتها الموريتانيات،
إن هذا التشخيص لحالة البلاد، يعكس وضعية كانت وما تزال قائمة، وهو ما
قد دفع بنا منذ خمس عشرة سنة - مع بداية المسلسل الديمقراطي- إلى
الاعتقاد بأن الظروف كانت مواتية للسعي إلى تحقيق آمال شعبنا في بناء
دولة العدالة والرفاهية. لكن سرعان ما ظهر أن مسلسل 1991، لم يكن إلا
مسرحية، هدفها الالتفاف على إرادة الشعب ومصادرة تطلعاته. وقد استطعنا
بعون الله وتمكينه، وبمؤازرة رجال ونساء وشباب، تحلوا بالصبر، واستعدوا
للتضحية والمثابرة، أن نستمر في معركة نضال مرير وطويل، أظهر فيها
الشعب الموريتاني مستوى عاليا من المسؤولية والاعتدال، على الرغم مما
تعرض له من المضايقات والتهميش والقمع.ويمكننا اليوم أن نقول – علنا-
إن هذا الثبات الذي حرصنا عليه، والنضال الطويل الذي خضناه – إلى جانب
قوى التغيير الأخرى، من أحزاب وتيارات وأصحاب ضمائر حرة - هو الذي مهد
الطريق، وهيأ الظروف للمرحلة التي نعيشها اليوم.
أيها الموريتانيون، أيتها الموريتانيات،
إن بلادنا اليوم تقف على مفترق طرق: فإما أن تسلك نهج الإجماع
والديمقراطية الحقيقية، والتنمية والعدالة والسلم الاجتماعي، وإما أن
تعود إلى الاختلاف والتفرق، ومصادرة الإرادة الشعبية، والبقاء في دائرة
الفقر، والظلم وعدم الاستقرار. ومن أجل المصلحة العليا لموريتانيا،
والعبور بها إلى بر الأمان، أقبل هذه المسؤولية الجسيمة التي حملني
إياها حزب تكتل القوى الديمقراطية، وشرائح واسعة من مجتمعنا، بترشيحي
لمنصب رئيس الجمهورية.
وإلى الشعب الموريتاني العزيز، الذي أتطلع إلى دعمه ونصرته، أتقدم
بمشروع يرتكز على محاور رئيسية، هي:
1- تعزيز أواصر الوحدة الوطنية، والتلاحم الاجتماعي بين كافة فئات
شعبنا من خلال:
- تحقيق مصالحة وطنية حقيقية وشاملة، تطبعها العدالة والتسامح
والإجماع، وطي صفحة الماضي الأليم. - ضمان حق أي شخص تثبت موريتانيته،
ويعيش في الخارج، بالتمتع بالمواطنة وما يترتب عليها من حقوق.
- القضاء بشتى الوسائل على ممارسات الرق ومخلفاته ، خصوصا بوضع برامج
تنموية ملائمة، والإسراع في تنفيذها.
2- إرساء قواعد الديمقراطية والحريات العامة.
3- إعادة تشييد مؤسسات الدولة وبناء الإدارة على مبدإ خدمة الشعب في ظل
قضاء عادل وترسيخ مفهوم المواطنة.
4- حماية مواردنا الحيوانية والسمكية والطبيعية من معادن وغيرها ونفط
وغاز، وجعلها نعمة للشعب وليست نقمة عليه. ولدعم هذا التوجه سنسلك
سياسات مالية ونقدية تشجع الاستثمار والصناعات التحويلية لخلق فرص عمل
بغية القضاء النهائي على البطالة.
5- إعطاء عناية خاصة للدفاع عن حوزة البلاد الترابية وأمنها الداخلي،
وذلك بإعداد برنامج طموح يضمن عصرنة القوات المسلحة وقوات الأمن ويوفر
لأفرادها التدريب والتكوين وتحسين أوضاعهم، بتقديم الخدمات الاجتماعية
اللائقة ورفع الرواتب وتوفير التجهيزات والمعدات الضرورية وزيادة
المعاشات.
6- تحقيق تنمية جهوية متوازنة، وتوزيع عادل للثروة بين الولايات، وفي
هذا الإطار ستعد خطة عاجلة وشاملة للمناطق الشرقية لفك العزلة عنها،
وتنمية ثرواتها الحيوانية والزراعية للرفع من المستوى المعيشي للسكان،
ولضمان حياة أفضل لهم، وإقامة جامعات ومدارس متخصصة ومستشفيات، وسيبدأ
تنفيذ هذه الخطة قبل نهاية السنة الأولى من المأمورية.
7- إعادة بناء الوسط البيئي وحمايته، ومكافحة ظاهرة التصحر.
8- انتهاج سياسة خارجية، تترجم الدور الطبيعي لموريتانيا في محيطها
العربي والإفريقي والإسلامي، لذلك سنسعى جاهدين للمساهمة في تمكين
اتحاد المغرب العربي من تحقيق أهدافه كمنظومة إقليمية متجانسة، تهدف
إلى تذليل الصعاب الحالية والمعضلات الموجودة والوصول إلى إزالة
العوائق المختلفة حتى تحقيق وحدة شعوبه، وسننهض بدورنا الطبيعي في
العالم العربي ضمن الجامعة العربية ومنظومتها والوقوف بحزم إلى جانب
قضايانا العادلة.
إضافة إلى تصميمنا على استعادة دورنا النشط والبناء في قارتنا
الإفريقية، تحت مظلة الاتحاد الإفريقي الذي يخوض معركة تقدم القارة
ووحدتها واستقرارها، وإعطاء الأسبقية لمنظماته الإقليمية خاصة منظمة
استثمار نهر السنغال. كما سنلعب دورنا الطبيعي بين أشقائنا في المؤتمر
الإسلامي خدمة للمصلحة العليا للوطن وإسهاما في تعزيز السلم والاستقرار
العالميين.
وسنعطي كل العناية لرعاية مواطنينا في الخارج والاستفادة من خبراتهم،
وتمكينهم من ممارسة حقهم الطبيعي في المشاركة في الترشح والانتخاب. إن
المرحلة الراهنة تستوجب منا جميعا تضافر الجهود ونبذ الخلاف ودواعي
التفرقة، لذلك أوجه دعوة صادقة إلى كل مكونات شعبنا للالتفاف حول هذا
البرنامج الذي أعد للجميع ويحتاج تنفيذه للجميع. وأتوجه بنداء حار
لشبابنا الذي يمثل - رجالا ونساء - القوة الحية لبلادنا للأخذ بزمام
الأمور وقيادة سفينة المستقبل تحقيقا لطموحاته في إقامة دولة الرفاهية
والازدهار.
أيها الموريتانيون، أيتها الموريتانيات،
إنني أؤكد هنا رغبتي الجادة، واستعدادي للتشاور والتعاون مع كافة
الفرقاء السياسيين وهيئات المجتمع المدني وغيرهم من أطر وشباب ونساء من
أجل المصلحة العليا لموريتانيا. وأفتح صدري رحبا لتلقي النصح والإرشاد
من علمائنا ومشائخنا ووجهائنا والخبراء الوطنيين ومن كافة أفراد الشعب.
أيها الموريتانيون إنني أدعوكم جميعا إلى الانطلاق نحو آفاق جديدة
يطبعها التسامح والجدية والحداثة مع التمسك بأصالتنا وقيمنا ومبادئ
ديننا الحنيف.
أيها الموريتانيون، أيتها الموريتانيات،
إنني من هذا المنبر أدعو المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية إلى
إكمال المرحلة الانتقالية في جو من الشفافية والحياد التام بين الفرقاء،
وأدعو الطبقة السياسية إلى التشاور لتكريم قادة جيشنا وقوات أمننا
وإعطائهم المكانة السامية التي يستحقونها بين البررة من أبناء الوطن ،
بعد إكمالهم هذا العمل الوطني الجليل.