بيان
خطاب
أحمد ولد داداه في الذكرى الخمسين لمؤتمر طنجه
احمد ولد داداه
بسم
الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدي المرسلين
السيد الرئيس،
الزملاء قادة الأحزاب والمنظـــمات
في أقطار اتحاد المغرب الــــعربي،
أيها الســـادة والســـــيدات،
السلام عليكم ورحمة الله.
إنه لشرف عظيم لنا، أن نشارك في هذا اللقاء المخلّد للذكرى الخمسين
(50) لمؤتمر طنجة التاريخي سنة 1958 و المقام أيضا في هذه المدينة
الجميلة، مما يعبر عن المكانة التي تحتلها وحدة البلدان المغاربية في
سياسة المملكة المغربية الشقيقة.
كما أتشرف بأن أنقل إليكم تحيات إخوتكم من مناضلي ومناضلات أحزاب
المعارضة في موريتانيا، وفي مقدمتها حزب تكتل القوى الديمقراطية، الذي
تشرفني رئاسته، وكذا تحيات الشعب الموريتاني وقواه الحية.
لقد كان مؤتمر طنجة حدثا مدويا ، هز في حينه أقطار المغرب العربي،
وشعوبه، كما انتشر صداه فى بلدان المشرق العربي وإفريقيا.
وكان الموريتانيون ـ رغم عزلتهم الطويلة في صحرائهم المنيعة، التي
استعصت على الأطماع الاستعمارية، حتى بداية القرن العشرين ـ يتطلعون
بأمل ولهفة، إلى إخوتهم في الشمال الذين يرتبطون معهم بكل شيء، متلهفين
إلى كل جديد، يبشر بنصرهم على الاحتلال، وتحقيق الاستقلال والحرية.
ويتذكر العديد من أفراد جيلنا، في مرحلة مبكرة من وعيه الوطني، الصدى
الذي أثاره هذا الحدث المتميز، لدى النخب ـ على قلتها ـ وأيضا لدى
الأوساط الاستعمارية، في مستعمرات جنوب الصحراء (ومنها موريتانيا) التي
كان يراد لشعوبها أن تظل بعيدة عن عدوى ثورة التحرير المندلعة في
المغرب العربي، وآخرها حرب المليون ونصف المليون شهيد، التي كان أوارها
ما يزال مشتعلا آنذاك .
السيد الرئيس،
أيها السادة والسيدات،
تأتي هذه الذكرى وقد تحقق فعلا بعض الآمال التي تضمنها بيان طنجة، وعلى
رأسها استعادة أقطار المغرب العربي حريتها واستقلالها، وإقامة اتحاد
المغرب العربي سنة 1989، ولكنها أيضا تأتي لتذكرنا بحجم التحدي الذي ما
يزال يواجهنا.
فما تزال مؤسسات اتحاد المغرب العربي مجرد هياكل، إلى حد يجعلنا نتصور
أن وجودها، غاية في حد ذاته. إذ ليس من المقبول ـ بعد مرور قرابة عشرين
سنة على إنشاء الاتحاد ـ أن يظل حبرا على ورق، في انتظار إرادة جديدة،
لا نعرف بيد مَنْ، إن لم يكن قادة أقطاره الخمسة. لقد
ضاقت شعوبنا ذرعا بهذا الوضع إلى درجة اليأس، في حين يصرح هؤلاء القادة
علنا، وعبر الوسائل الرسمية أن خيار الاتحاد خيار استراتيجي، لمستقبل
هذه المنطقة، خاصة أمام التكتلات الاقتصادية والسياسة، في المحيط
المجاور ولدى شركائنا التاريخيين والحاليين، حيث يتفق الجميع على أنه
بدون وحدة إقليمنا المغاربي سنكون بدون مستقبل أمام مصالح التكتلات
المهيمنة.
وتُثبت الأحداث المستجدة أننا بدون التنسيق والتكامل والتخطيط بين
أقطارنا، لن نتمكن من مواجهة تحديات الأمن الغذائي، ونُدرة المياه وزحف
الصحراء، ومواجهة الفقر وبسط الأمن والاستقرار والديمقراطية. هذا كله
في وقت تتمتع فيه أقطار المغرب العربي بثروة من المصادر البشرية قل
نظيرها في أقاليم القارة الإفريقية الأخرى، إضافة إلى الثروات الطبيعية
الهائلة، المنجمية والنفطية ، السمكية والحيوانية والإمكانات الزراعية
والسياحية الواعدة.
إنها لنعمة من الله أن تتمتع شعوب هذا الإقليم بالقيم الدينية السامية
والتجانس الثقافي واللغوي والتاريخي، إضافة إلى وحدة المناخ، والموقع
الجغرافي، الذي يجعله أكثر أقاليم القارة قربا إلى أسواق العالم
الصناعي والتجارة العالمية، عبر طرق تجارية معروفة وآمنة في البر
والبحر والجو.
وفي الوقت الذي وصلت فيه جميع أقاليم القارة الإفريقية الأخرى ـ الأقل
حظا في النمو والثروة ـ إلى مراحل متقدمة على طريق وحدتها، عبر إلغاء
الحواجز الجمركية وعراقيل تنقل الأفراد والممتلكات، ثم توحيد العملة ـ
ما نزال نحن في المربع الأول، حيث لا تتجاوز المبادلات التجارية بين
أقطارنا الخمسة، نسبة ثلاثة بالمائة (3%) من المبادلات التجارية
الخارجية.
السيد الرئيس،
أيها السادة والسيدات،
إن بناء المغرب العربي ضرورة لصيانة استقلال دوله وتنمية شعوبه، وبسط
العدالة والديمقراطية في ربوعه، لذلك فهو أهم مشروع يستحق منا التضحية،
وهو أمانة في عنق كل منا أمام الله وأمام شعوبنا وأمام التاريخ، لذلك
فإن شعوب المنطقة تتطلع إلى نتائج هذا اللقاء الذي نأمل أن يشكل قاعدة
انطلاق حقيقية لوحدة طالما حلم بها الجميع، وذلك من خلال إطلاق مبادرة
تسمى " نداء طنجة التاريخى" تتسم بطابع اقتصادي واجتماعي وثقافي تكون
بمثابة الحجر الأساسي لهذه الوحدة المنشودة.
ونحن نرى أنه مهما كانت العقبات التي تواجه مسار هذه الوحدة، فإنه بفضل
إرادتنا السياسية، وعبر وسائل الحوار الجاد والبنّاء والمنصف، يمكن
تجاوز كل العقبات.
ولا يسعنا في الختام إلا أن ندعو الله العلى القدير أن يثبّت خطانا
لتحقيق هذا المشروع المصيري، وأن يتغمد برحمته الواسعة أولئك الرواد
الأفذاذ الذين تداعوا لحضور مؤتمر طنجة الأول، وأن يمتع من بقي منهم
بين ظهرانينا ـ رمزا للريادة والوطنية ـ بالصحة والعافية، إنه سميع
مجيب.