كلما جاءت حكومة لعنت أختها،
بقلم
أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
اوفى عبد
الله اوفى
متى ينتهي هذا
العرض الهزيل المتكرر لهذه المسرحية الهابطة التي دأبت الحكومات المتتالية
على الإصرار على عرضها دوما بعيدا عن دور العرض الملائمة لها، واختيار
قاعة البرلمان "المقدسة"ـ بوصفها أحسن قاعة عرض في البلاد يمكن العرض
فيها بسهولة ودون أي مقابل ـ بديلا عنها ، ترى ما السبب في ذلك ؟ أهو
ما لهذه القاعة من رمزية خاصة في وجدان الأمة وكيانها ؟ أم أنها هي
الوحيدة التي يمكن أن تجمع الشعب الموريتاني بأسره ، وبالتالي الوحيدة
التي يمكن أن تمرر من خلالها الأفكار والرؤى التي ترغب أي حكومة في
غرسها كمعتقد في مخيلة المواطن البسيط ، والتي يأتي في أولوياتها: لعن
الحكومة السابقة وإظهار النواقص والثغرات التي تخللت عملها ، ودق ناقوس
الخطر بأن العجز في الميزانية بات يهدد استمرارية العمل الحكومي في
المستقبل ، حيث وصل إلى رقم فلكي ، وأن البلاد تشهد موجة جفاف وفقر لا
مثيل لهما وأن التدخل ألاستعجالي يجب أن يتم قبل أي شيء آخر ، وأن
مجاعة تهدد وجود الدولة وأمنها وهيبتها ، ثم يكون بعد ذلك الحل المقترح
بأن تنتهج الحكومة مهنة التسول ومد الأيدي بحثا عن فتات موائد المنظمات
الدولية والبنوك المانحة ، لسد العجز الغذائي المقدر ب 27 ألف طن ، ثم
في حال رفض المنظمات التدخل لسد العجز الغذائي المفترض لعدم اقتناعها
بصحة ذلك تتم إقالة الوزير لتغطي الحكومة على فشلها في إقناع الممولين
في إخراج صدقاتهم عليها، أي عار لصق بها ؟ وأي هيبة بقيت لها ؟ ، إن أي
حجة يتشدق بها هؤلاء سوى أن هذا التسول هو ما وجدوا عليه أسلافهم وهم
على آثارهم مقتدون ، هي حجة واهية لا أصل لها ، وإنما الهدف من كل هذا
اللعن ودق ناقوس الخطر هو لفت أنظار الشعب عن الأمور الجوهرية التي
عجزت وتعجز حكوماتنا دوما عن إنجازها من مشاريع عملاقة وتصور واضح
للنهوض بمختلف جوانب الحياة مما يمكن تطبيقه على أرض الواقع ، وليس
استنساخ الخطابات الرنانة والطنانة والتي هي نفس الخطابات التي اعتدنا
سماعها مع فارق قليل ، علما أنه بالإمكان الحصول عليها جاهزة لأي وزير
أول يرغب في عرض برنامجه الحكومي أمام البرلمان ، دون أن تكلفه صياغتها
أي جهد يذكر والدليل على ذلك تشابه إن لم نقل تطابق كل الخطابات التي
عرضت كبرنامج حكومة على البرلمان والتي لم يطبق منها إلا النزر القليل
، ثم بعد ذلك يحصر توجه المواطن في مسائل من واجب الدولة توفيرها له
دون منة عليه ، ليصدق عليها اسم دولة ، كالأمن الغذائي والماء
والكهرباء والبني التحتية من طرق ومستشفيات ومطارات وسكك حديدية...الخ.
لكن ما تفلح فيه حكوماتنا دوما ليس العمل على انجاز مثل هذه المشاريع
الأساسية بل انتهاج سياسة التبريرات والمؤتمرات الصحفية التي تعد
بتحويل موريتانيا إلى جنة تجري من تحتها الأنهار، ثم يتحججون بقولهم
ليست هذه الحكومة مسئولة عن كل المشاكل المطروحة اليوم ولا دخل لها في
ذلك كله ، بل الأمر يتعلق بتركة ثقيلة ورثتها عن سابقاتها، ولم يمض
عليها من الزمن القدر الذي تحل فيه معضلات تجذرت حتى عسر استئصالها ،
والجواب الذي يتبادر عند سماع مثل هذه الادعاءات هو أن المواطن يعاني
أصلا من أزمة ثقة في الحكومات الماضية ولم يلمس في هذه الجديدة أي فرق
عن أخواتها خصوصا بعد استماعه لسيناريو العرض الحكومي أمام البرلمان
والذي هو تحت عنوان" إعلان السياسة العامة للحكومة"ـ فهذا العرض يتميز
بأنه قلما أعتمد على الواقعية والمنطقية ، بل إننا نراه يجمح دوما إلى
الخيال العلمي والتنظير المستقبلي العاري من أي إمكانية للتطبيق ،
والمواعيد العرقوبية ، والطموحات الجامحة ، وأحلام اليقظة، وهذا ما
تعود المواطن سماعه من كل الحكومات السابقة ، فإذا به اليوم وبعد كل ما
تحقق على يد" العسكريين الجدد" يعود إلى نقطة الصفر ليكتشف أن ما تم
انجازه ما بعد الثالث من أغسطس لا يتعدى انتقالا سلسا للحكم ونزرا من
حرية الرأي ، ما لبث أن رفعت في وجهه آلة المال والسياسة لإخراسه ،
فتولدت "موضة" الدعاوى القضائية ضد الصحافة والصحف ، وتم استجواب و
اعتقال بعض الصحافة ، "وعادت ديمة لعادتها القديمة" ، والأسئلة التي
تطرح نفسها بحدة هذه الأيام : ما الذي طرأ بعد ولد الطايع سوى الإصلاح
السياسي ومحاولة كسب ود المعارضة بإشراكها في أمر الحكم دون الأخذ
برأيها ؟.
وقفزا على المرحلة الانتقالية وما شابها من هيمنة العسكر وهيلمانه الذي
شمل كافة الميادين ، وهذا بالطبع ما لم يعد يخفى على أحد ، هاهي حكومة
ولد زيدان تشكي ولأول وهلة من نقص حاد في الماء والكهرباء أصبح يهدد
صحة المواطن وحياته ثم يكون الحل كالعادة انتهاج سياسة التطمينات
والمؤتمرات الصحفية والإعلان عن حل وشيك لهذه المعضلة عن طريق وضع خطة
عشرية تمتد إلى غاية 2015 ليتم التغلب على النقص الحاد في المياه ،
وكأن المواطن ليس له إلا الانتظار ، ثم هذه مشكلة الانقطاع المتتالي
للتيار الكهربائي ، تجد حلا ليس بعيدا عن سابقه وهو تعيين مدير جديد
لشركة الكهرباء ليقال للمواطن أن الانقطاع كان بسبب المدير السابق وليس
عجز الشركة عن توفير التغذية اللازمة للمواطنين بسبب العجز المالي الذي
لم تتدخل الحكومة لسده ، فكل هذه الخطط لن تجدي نفعا في حل هذه
المعضلات على الأقل في القريب العاجل دون دعم مالي من الحكومة والتي
تحتاج هي الأخرى إلى من يدعمها ماديا، فأين ذهبت موارد الدولة التي كان
من المتوقع أن تسلم للحكومة الجديدة تحت بند ما بقي من ميزانية 2007 ؟
لم قبلت الحكومة تنزيل المهام من سابقتها إذا كانت الميزانية التي سلمت
لها مبهمة وغير محددة ؟ من المسئول عن العجز الذي طرأ على الميزانية
والمقدر ب 30 مليار إن لم يتجاوز ذلك إلى 100 مليار أو أكثر؟ كيف
يمكننا أن نصدق أن المسألة مجرد عجز عادي ، وأنها لا يمكن أن تدخل بحال
من الأحوال تحت طائلة الاختلاس ؟ هل يمكننا أن نصدق التقرير الذي قدمته
الخزانة العامة والذي برأت فيه حكومة ولد ببكر مما يمكن أن ينسب لها من
تقصير أو لنقل إنفاق زائد في الأشهر الأولى من السنة الحالية ، وعلى
الفرض بأن هذا التقرير صحيح لماذا تعجل ولد زيدان في الإيحاء للبرلمان
بأن هنالك "إن" في المتبقي من الميزانية ؟ ، وعلى ذكر الاختلاس ، لماذا
لم يتطرق الوزير الأول السيد الزين ولد زيدان في خطابه أمام البرلمان
لملف الاختلاس و الفساد هل سيفتح التحقيق مع من تلطخت أيديهم بالمال
العام في الحقب الماضية أم أن الثالث من أغسطس يجب ما قبله وربما ما
بعده؟ .
لقد نعم اللصوص بخيرات هذا الشعب المسكين الذي هو اليوم حسب رأي
الحكومة الجديدة يعاني من أزمة غذائية حادة تنذر بالخطر ، دون أن ينغص
عيشهم ، ولو باستجواب عمري مشروع : "من أين لك هذا ؟"، إن هذا الشعب
الجائع لو ردت له نصف الميزانية التي نهبت من طرف أبنائه لانمحت عنه
كافة مظاهر الجوع وأصابته التخمة في أيام قلائل .
هل من حق الرئيس أو الوزير الأول أو الحكومة العفو عن هؤلاء المجرمين ؟
، أم أن ذلك من حق الشعب الموريتاني فقط دون غيره وعن طريق برلمانييه
البررة ؟ لماذا لا يطالب هؤلاء البرلمانيون بفتح هذا الملف ثم إن شاءوا
بعد ذلك انتهجوا مبدأ عفا الله عما سلف فلهم ذلك على أن يكون من حق
الشعب معرفة من شملهم العفو العام تمشيا مع رغبات الحكم الجديد ، لماذا
لا يتم التطرق لهذا الملف الخطير الذي يبيح وبصورة سافرة أكل المال
العام لكل من تسول له نفسه ذلك ، دون أن يخاف الملاحقة القضائية التي
أصبحت هذه الأيام حكرا على الصحفيين وأصحاب الرأي ، اللذين أصبحوا
ملاحقين قضائيا من كل من هب ودب ودون أية تهمة سوى البحث عن الحقيقة
وكشفها للرأي العامـ وإن سلمنا جدلا بتخلل ذلك الكشف لبعض الخروقات من
الصحافة، فالأولى بأصحاب هذه الدعاوى القضائية الرد عليهم في الصحافة
نفسها، بتكذيبهم أو تفنيد ادعاءاتهم و أدلتهم وليس الشكوى منهم عند
المحاكم والسعي في إخراسهم بشتى الطرق.
لقد تغيرت المفاهيم في العهد الجديد ، فصار اللص آمنا والمصلح ملاحقا ،
وصاحب الرأي المستنير والجاد لا صحيفة تنشر له رأيه إلا ما رحم ربك ،
وصار الكذب والزور لغة المتطفلين على السياسة ، وساد أراذل القوم على
سادتهم ، وأصبح الغش والخداع دأب وديدن الحكومات المتتالية حتى أمام
البرلمان ، وصار العسكر ساسة ، والساسة تباع ولاءاتهم بأبخس الأثمان ،
ورجال الأعمال يتصارعون على نفوذ وهمي ، والشعب يعاني الأمرين ، جوعا
وعطشا ، هذه هي حالة الموريتانيين اليوم بعد أن صارت دولتهم أول الدول
العربية التي تعيش في ظل الديمقراطية الحقيقية ، فما أغنت عنهم
ديمقراطيتهم التي يتشدقون بها لما نزل بهم الجوع وعجزت حكوماتهم
المتتالية عن حل أبسط مشاكلهم ، فأقبلت كل حكومة تلعن أختها ، وضاع
المواطن بين اللعنات ، وأصبح لا هم له إلا سد الرمق ، فانتهز الساسة
والتجار هذا الهم ، وحولوه بضاعة تباع وتشترى بأبخس الأثمان.