ماهي اسباب كارثة
الباكلوريا ؟، بقلم د. محمد
عبد الحي
"لو
جرت كارثة أقل من هذه في بلد يعي أبناؤه حجم المسئولية لسمعناعن استقالات
جماعية ( أو إقالات) لكافة القيمين
على هذا القطاع المسؤولين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن هذا الفشل
المزمن والمخزي"
تقول النتائج
المعلنة للثانوية العامة بموريتانيا هذه السنة، أن 93% من أبناء البلاد
لم يوفقوا في هذه الشهادة المهمة التي من شأنها أن تفتح أمامهم وأمام
ذويهم ومجتمعهم أفقا لمستقبل أفضل. إن أقل ما توصف به هذه النتائج أنها
كارثية، ودعك من كل كوارث الطبيعة، وبراكينها: تسونامي وغيرها. لو جرت
كارثة أقل من هذه في بلد يعي أبناؤه حجم المسئولية لسمعناعن استقالات
جماعية ( أو إقالات) لكافة القيمين على هذا القطاع المسؤولين بصورة
مباشرة أو غير مباشرة، عن هذا الفشل المزمن والمخزي.
ومما يضاعف مأساة هذه النتائج أن ما ظهر من ردود فعل المسؤولين
المباشرين وغير المباشرين، عن سياسات التعليم في البلاد يظهر دون لبس
عدم وعيهم بحجم الكارثة، راجع بيان مجلس الوزراء الذي انعقد بعدها يوم
05/07/2007، فلن تجد أبسط إشارة إلى المأساة وكأنها واقعة في جزر
المالديف.
من المؤسف حقا أن لانسمع من حكومة جاءت بعد مخاض عسير، سوى كلام تبريري
لايعني شيئا سوى الغياب المطلق، كلام من نمط:
- "أن مستويات التلاميذ متدنية بفعل عوامل متعددة وأن نتائج
الباكالوريا هذا العام تؤكد ذلك"، و"أن الوزارة ستعتمد آليات جديدة
تحسن من نوعية العملية التربوية، بتحسين وضع المعلم"،
-"ان برنامج وزارة التهذيب الوطني للاشهر القادمة يشمل مالم ينفذ حتى
الان من المحاور الاساسية الواردة فى برنامج تنمية قطاع التهذيب:
"ـ تحسين ودعم التسيير والإشراف على النظام التربوي من خلال تسيير
يراعى النتائج والمردودية.
ـ تحسين الخدمات المدرسية من خلال تنظيم جديد للعرض المدرسي على
المستويين العام والخاص يكون أكثر ملائمة(؟!) مع الطلب .
ـ تطوير نوعية التعليم وجدوائيته الداخلية والخارجية .
ـ دعم النوعية في التعليم الأساسي والثانوي"
هذه عموميات، جزء منها يمكن للمرء أن يسمعه من مدير مدرسة ابتدائية
يبرر فشله أمام مفتشه، وجزء منها يمكن أن يسمعه من مدرس يلقي بعض
المبادئ التمهيدية على طلبة السنة الأولى في مدرسة تكوين المدرسين ضمن
مادة بناء المناهج. ولكن لايمكن أن تقبل من مسؤول في حكومة بلد أصيب
بهذه الكارثة.
كان من الممكن أن يسمع المرء من السيدة الوزيرة ويقبل، أن حكومتها ليست
المسؤول عن هذا الوضع المخزي، لأنها لما تكمل بعد شهرها الثالث، وأنها
منكبة على رفع التحدي وإصلاح ما أفسدته السياسات الخرقاء التي أدارها
أناس غير مسؤولين، امتصوا دماء شعبهم، وعاثوا في الأرض فسادا.
كان من الممكن أن يتفهم كل ذلك، بشرط واحد، هو أن تقول له متى- وكيف-
ستكون نسبة الناجحين93% وليست نسبة الفاشلين.
كان من الممكن أن يتفهم المرء هذا الأمر ويمتص الجراح، ويقول هذا جناه
علي أمتنا حكام فاشلون، هم أبرز تجليات هذا النظام التربوي الفاشل.
أما الحكومة الجديدة فهي- ما شاء الله- تعي خطورة الموقف وها هي تستنفر
قواها، وتعد خططها، لأن لديها من الوعي ما يمكنها من فهم أن المستقبل
القريب والبعيد للأمة مرتبط بمصادرها البشرية، لا بخامات البترول أو
الذهب أو الماس، التي جعلها سابقوها" لبن ابريك"، فالقدرات البشرية
المرتبطة بالتعليم الناجح هي التي تبني الأمة، وتحولها من دور المجتمع
السلبي المستهلك، إلى دور المجتمع الإيجابي المنتج، وتنقلها من مستنقع
التخلف إلى قمم التقدم وطلائعه، فالبترول والماس والذهب موجودة بكثرة
في كثير من البلدان البائسة، التي لاتفتأ تنغرز في مستنقعات الجهل
والأمية والتخلف والبؤس الأزلي، وكثيرة هي البلدان الغنية المتقدمة
التي ليس بها بترول ولا ذهب ولا ماس، ولكن بها عصارة الأدمغة وبالتالي
بها مؤسسات ناجحة في عملية إنتاج الإنسان الخبير الفاعل الطموح القادر
على الرقي ببلاده إلى مصاف الأمم المتقدمة، في فترة وجيزة.
من المؤسف اليوم أن المرء عندما يتتبع صحافة وطننا ومن خلالها الخطاب
السياسي في البلد، عند البرلمانيين والمثقفين، يصاب بالغثيان لكثرة
الحديث الضحل عن إنتاج البترول والغاز،... ولكنه لن يسمع أبسط حديث عن
التعليم والتكوين وإنتاج العنصر البشري الذي يستطيع أن يرفع من منزلة
الإنسان، في الأسرة وفي المؤسسة وفي المجتمع، وفي الدولة، ومن
إنتاجيته، ومردوديته. العنصر البشري القادر على الانتقال بكل أسرة هو
منها وإليها، إلى العزة والرخاء والكرامة، وبالتالي انتشال المجتمع
ككل، من الوهدة السحيقة المزمنة التي كان بها، والتي لم يفتأ تعاقب
السفهاء من الناس الذين تولوا أمره رغما عنه، ونكالا به، يزيد من
اتساعها وعمقها.
فالمسؤولون غير المسؤولين الذين تعاقبوا على هذا البلد المنكوب بعقوق
أبنائه، لم يولوا قط العنصر البشري المحوري في كل تنمية، أي اهتمام،
لأنه بكل بساطة، لا يمكن أن يودع في حساب مصرفي هنا أو هناك، أو يحول
إلى قطيع من النوق السائبة للمباهاة، أو سرب من عابرات الرمال لتتبع
تلك القطعان، أو قصر يستأجر لبعثة أجنبية، ولا يمكن أن تبذره حرم مسؤول
غير محترم أو أبناؤه هنا وهناك، ولأنهم يتهافتون على السمكة، ولا
يفقهون أنه للحصول عليها، يجب على المرء أن يتعلم أولا، كيف يصطادها.
ومن المؤسف والمحير أن أكثر من 90% من المجتمع المتضرر، لم يصل بعد إلى
المستوى الذي يحس فيه بالألم وينتفض ضد صم بكم عمي لا يفقهون، ليوقظهم
ولو بالكي، حتى ينتبهوا إلى حالهم، ويستيقظوا من غفلتهم وسباتهم،
ويفهموا أن هذا مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وحصاد 13 سنة من التضحية
المادية والنفسية، وأن للزمن معنى وأن ما فات منه لايعوض..
أ د محمد عبد الحي
جامعة نواكشوط –
جامعة عجمان للعلوم و
التكنولوجيا