الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة في أول تقرير دولي بشأن الاقتراع الرئاسي : منظمة حقوقية تشكك في نزاهة الانتخابات الموريتانية -الحدث- الحزب الاشتراكي الفرنسي ينتقد تنظيم الانتخابات الرئاسية بموريتانيا -الحدث- المعارضة الموريتانية تتظاهر يوم السبت في نواكشوط احتجاجا على تزوير الانتخابات  -الحدث- نموذج من مراقبي الانتخابات الموريتانية : محمد أوجار، خائن يشهد لخائن -الحدث- ولد داداه يشكر أنصاره و يؤكد تصميمه على مواصلة النضال -الحدث- "الجبهة" تؤكد عزمها على الكفاح ضد تزوير الانتخابات -الحدث- كلمة "الحدث" : حقائق يجب أن تعرف -الحدث- ولد بلخير يرد الصاع صاعين لولد عبد العزيز -الحدث- محامون يطالبون مرشحي الرئاسة الموريتانية بالتضامن مع ولد دهاه

 

Alhadath :::: الحدث

 


 النظام التعليمي الموريتاني: حصاد الهشيم، قراءة د. محمد عبد الحي


 

 
 

 توطئة

 كتبت قبل فترة وجيزة ملاحظات رد فعل تلقائيا على مشكلة البكالوريا الوطنية التي ناهزت نسبة الرسوب فيها هذا العام 90% وليست لأول مرة، دون أن يثير الأمر أي رد فعل يذكر، لا  من المجتمع،  ممثلا في حملة الرأي منه، ولا من أصحاب القرار، ممثلين في وزارة التربية  و القيمين عليها، وهو موقف من الطرفين يعسر فهمه، خاصة, أن هذه النتيجة تتويج وحلقة جديدة في سلسلة من الإخفاقات ابتدأت مع تنظيم أول امتحان للثانوية العامة على أرض الوطن سنة 1974، ومازالت حلقاته تتصاعد طرديا، مع تزايد عدد التلاميذ، فمتوسط الرسوب في هذا الامتحان الحاسم على مدى 34 سنة، هي عمره، ظلت تزيد على 80%، وهي نسبة لا نكاد  نسمع عن نظير لها في بلد في عالم اليوم، (الجزائريون احتجوا هذا العام لأن نسبة النجاح في الثانوية لم تتجاوز 53% والفرنسيون قبل سنوات احتجوا لأنها لم تتجاوز 75%)، وإذا كان الضغط الأمني الاستخباراتي سوغ تسويغا غير أخلاقي، خلال ربع القرن الماضي تكميم الأفواه والسكوت على الدنية، فإن الأمر في هذه الحقبة غير مسوغ، بأي وجه من الوجوه.

الرسوب إذا، مزدوج، فهو من جهة، رسوب لنسبة 90% من طليعة الأجيال الصاعدة المفترض أنها ذخر المستقبل، وأمله الأوحد. وهو من جهة أخرى، رسوب بنسبة 100% لطليعة قادة الرأي في البلد المفترض أنهم حماة الوطن والضامنون لمستقبله، رسوب لهم في مجرد الإحساس بالكارثة التي تحيق بمستقبل بلدهم.

 والسبب الذي لامناص من افتراض أنه في مقدمة أسباب رسوب هذه النسبة العالية من الأجيال الصاعدة، هو قصور خطط  وزارة التربية الوطنية أو قصور أدائها أو قصورهما معا، وهو قصور مثل هذا الحدث دركاته بصورة غير قابلة لأي تأويل آخر.

أما أسباب رسوب قادة الرأي في الوعي بمخاطر ما حل ببلدهم، واستسهالهم لهذا الهوان، فلا يمكن تفسيره، حتى ولو بمقولة: " طول السواد وقرب الوساد".

وأعود للحديث عن الموضوع بشيء من التأني، والتأمل، في الخطط وفي النتائج والأسباب.

 

في خطط وزارة التربية وأدائها.

1

لدى وزارة التربية كم ضخم من الخطط والمقررات والوثائق التي ظلت تقدم باستمرار للمؤسسات الدولية ضمن ملفات طلب التمويل، و قد دأبت تلك المؤسسات الدولية على تقديم تمويلات مهمة لتلك الملفات، على مدى عقدين من الزمن، تحمل المواطن جراءها ديونا بمئات ملايين الدولارات.

ومن أهم هذه الخطط وأحدثها تاريخا الخطة العشرية(2001-2011) المسماة {البرنامج الوطني لتنمية قطاع التربية}( PNDSE)، التي ما زالت قيد التنفيذ.

وبتصفح  تلك الخطة نجدها تعرض:

1-إطار  العملية التربوية العام: (الديموغرافي، والاقتصادي، التشغيلي).

2- النظام التربوي: (وصفا، و تشخيصا).                                                                                             

 3-الإستراتيجية العشرية: توجهاتها الكبرى في سبيل تطوير النظام التربوي في المراحل: (الأساسية، الإعدادية، الثانوية، العالية)، وتطوير  إدارته  وتسييره عامة، وتطوير إدارة وتسيير برنامجه خاصة.                    

4- قضايا جزئية مثل: تمدرس البنات، ترقية القطاع الخصوصي.

 و هي خطة يفترض أن تقوم الوزارة سنويا بمراجعتها، وإعداد تقرير عن تلك المراجعة،

يبدو أن القسم الأول من الخطة العشرية المتعلق بالأطر الديموغرافية والاقتصادية والتشغيلية  يؤسس لتحليل قطاعي يسعى للإجابة –ولو بشكل موارب-عن المدخلات، وعن المخرجات: مجالات التشغيل التي يمكن أن تستقبل الخريجين، ونوعية التخصصات التي تتطلبها،  وقدراتها على الاستيعاب، ولكنه لا يكفي للإجابة عن الأسئلة المركزية في عملية التخطيط التربوي للمدخلات، المتعلقة بعدد الأطفال الذين هم في سن اللحاق يكل مرحلة، مثل: كمِّ المدِّ البشري في كل مرحلة، من الحضانة  إلى الجامعة، وتوجهاته: عامّ، فنيّ،حرفيّ، مهنيّ... ونسبة احتمال التسجيل في كل مرحلة، و نسبة احتمال إكمالها، ونسبة احتمال التسرب منها...وأسباب كل ذلك وانعكاساته، والمتعلقة بالوسائل المادية والبشرية التي يمكن أن تسخر لاستيعاب هذا المد وطاقاتها الاستيعابية من مبان ومختبرات، ومصادر تعلم، ومن عنصر بشري، واحتمالات تطور الجانبين المادي والبشري  بالموازاة مع مد الطلب، الذي يتضاعف كل ربع قرن...

أما القسم الثاني المتعلق بوصف النظام التربوي وتشخيصه، فيبرز في الجانب الوصفي، أن التعليم العام وتكوين المدرسين خاضع للوزارة، أما التعليم المهني والتعليم الخاص فتابع لهيئات أخرى عمومية وخصوصية، والتعليم العام منه عربي اللغة ومنه فرنسي اللغة. و يبرز في الجانب التشخيصي، أن شعار التمدرس للجميع سنة ألفين، الذي كان هدفا في التعليم الأساسي،  لم يتحقق، كما يقر بنواقص كثيرة، فيما يتعلق بالتحكم في تدفق المنتسبين إلى المستويات الأخرى الثانوية والعالية، و فيما يتعلق بمسعى تحسين نوعية النظام، وتوزيعه على التخصصات، و ما يتعلق بعدم مواءمة التخصصات مع حاجات سوق العمل، و كذلك الغياب الكلي للبحث العلمي، و يقر  إضافة إلى كل ذلك بسوء التسيير الإداري والمالي للموارد البشرية والمادية. 

وهو اعتراف بعدم المواءمة في النظام السابق على الخطة العشرية، مع ضرورة ضبط مصادر التمويل الذاتي والعمومي والخاص وغيرها، والتخصصات الضرورية في كل المراحل، وحاجات سوق العمل، والمستوى المعرفي: العلمي والمنهجي للبرامج المطبقة، وعلاقته بحاجات المجتمع و سوق العمل، في الخطة الجديدة.

أما القسم الثالث المتعلق بالإستراتيجية العشرية نفسها، فيحدد ثلاثة أهداف لهذه  الإستراتيجية هي:

 1-توحيد النظام التربوي، باستخدام شعبة موحدة، بديلة عن النظامين المختلفين أحاديي اللغة. 

 2-توطيد التعليم في المرحلة الأولى الثانوية، بإضافة سنة جديدة إليها( رابعة)، وإدخال مادة الفيزياء ابتداء من السنة الثالثة والمعلوماتية ابتداء من السنة الرابعة، وهما إضافتان مقبولتان.                            

  3-تعزيز تعليم اللغتين الفرنسية والإنجليزية، لعل من الأنسب أن يكون يقرن بهما الحاسب الآلي، أداة العصر، وأن تبدأ المواد الثلاث من السنة الرابعة الابتدائية، لأن هذه المواد الثلاث إضافة إلى اللغة الأم هي مفاتيح الدخول إلى الحياة النشطة، والتلميذ الذي يتوجه من السنة السادسة إلى التعليم المهنى، يجب أن يكون قد تزود بعلوم الآلة التي ستقطع عليه طريق العودة إلى الأمية، وهي في هذا العصر مبادئ اللغات: )المهارات الأربع: الفهم، القراءة، الكتاية، التحدث( والحاسب الآلي: )المعلومات الأساسية  عن برامج الحاسب الآلي(استخدام الكومبيوتر، معالجة النصوص، الجدولة، قواعد البيانات، العروض التقديمية: Windows, word, Excel, Access, Power point . (، الضرورية لمزاولة العمل اليومي في هذا العصر، إضافة إلى استخدام الإنترنيت والبريد الإلكتروني، وهي معلومات يستطيع كل تلميذ ابتدائي أن يكتسبها في فترة وجيزة، وبعناية من المدرسة محدودة.

كما يحدد التوجهات الكبرى لتطوير النظام في مراحل التعليم المختلفة: (الأساسية، الإعدادية، الثانوية، العالية)، وإدارته وتسييره، وإدارة وتسيير برنامجه: ( تنمية القدرات، وتنظيم الإدارة المركزية، وتقييم النظام باستمرار، وبرمجة الاكتتاب، وإعداد خريطة مدرسية، وإعادة تنظيم الجامعة، وتنظيم التكوين المهني  والتقني، وتحديث البرامج والأدوات التربوية، واعتماد المهنية، والرفع من مستوى التأطير الإداري والتربوي، وتحسين تسيير المصادر البشرية وعقلنته، و القضاء على الفوارق الجهوية، وتدعيم تمدرس البنات، وتكثيف دور القطاع الخاص وترقيته).

يمثل هذا القسم جوهر( البرنامج الوطني لتنمية قطاع التربية) أي:-الرسالة، والأهداف، والتوجهات السياسية، واستراتيجيات الإصلاح المؤسسي، وإقامة سياسة تربوية عملية وتنفيذها، ويظهر أن الفريق الذي أعد الخطة على وعي بالخطوط العامة الأساسية للخطط التربوية المتماسكة، لذلك يمكن اعتبار الخطة نواة صالحة لإعداد استراتيجيه للإصلاح المؤسسي متماسكة، قائمة على التوجهات السياسية والاستراتيجيات الكبرى للتنمية التربوية في البلد، أي: السياسيات المعلنة، والتوجهات و الخيارات التربوية والتنظيمية، والاقتصادية العامة التي قد تؤثر على العمل التربوي ونموه، وهي عناصر تستقى –كما هو معروف-من النصوص المرجعية:(- الدستور. - السياسيات المعلنة. - النصوص التشريعية. - المذكرات التوجيهية الخاصة بالقطاع.  - خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية)، وتصاغ ضمن إطار سياسي منسجم، يمثل خطة عمل ترمي إلى:

1- الوصول إلى تربية قاعدية  شاملة  تديرها الوزارة ويساهم فيها الجميع.

2-إقامة توازن عادل يقوم على القضاء على التفاوت بين:الذكور والإناث، وعلى عدالة التوزيع بين المناطق، وعدالة التوزيع بين البدو والحضر، وعدالة التوزيع بين الفئات الاجتماعية.

3- تحديد نوعية التكوين وأهميته في المستويات المختلفة: التربية القاعدية، التعليم الثانوي العام، التعليم الفني والمهني، التعليم العالي، تعليم الكبار، ومواءمة كل ذلك مع حاجات العصر والمجتمع، وبالتالي حاجات سوق العمل.

4-تحديد منزلة القطاع الخاص والمجموعات المحلية في النظام التربوي، بحيث يلعب كل دوره، لكن بتخطيط دقيق وعلمي من خبراء الوزارة، وتحت إشرافهم المباشر  ورعايتهم الصارمة لكل كبيرة وصغيرة فيه.

5-تنظيم المد الطلابي بين: القطاعين المصنف وغير المصنف: العمومي والخصوصي، بين:الثانوي العام  والفني والمهني، بين:العالي الطويل والقصير، بين:الابتدائي والثانوي والعالي، تنظيما يراعي القدرات الفردية للطالب، وحاجات مختلف القطاعات الإنتاجية المتاحة في ميادين الإنتاج المحلية، وفي سوق العمل الإقليمية والدولية التي يمكن لأبناء البلد أن ينافسوا فيها.

6-الجانب المؤسسي: التسيير والتخطيط والتوازن بين المركزية واللامركزية وتوازن التوزيع، بما يضمن للجانب المؤسسي استثمار كافة المصادر البشرية والمادية للبلد، استثمارا أمثل، وتنميتها تنمية مثلى.

7-الشراكة والتواصل بين الفاعلين والشركاء، ومستويات المشاركة والتواصل، بما يضمن الدفع بجميع الطاقات المتاحة والتي يمكن ابتعاثها،إلى المساهمة في النهوض الشامل بالبلد.

8- ضبط التكلفة والسيطرة عليها في مستوى النفقات العادية والشاملة، بحيث يسخر كل شيء لخدمة النفع العام، وبالتالي للإنتاج والإنتاجية، بعيدا عن الاحتكار، والتعطيل والفساد والتبذير و الهدر.

9- بناء سياسات توفير المصادر واستراتيجياتها، بالتواؤم مع لامركزية القطاع الخاص ونموه، وكذلك بتنمية الشراكة.

10-تكوين المكونين وإعداد الخبراء والحرفيين، الذين يتمتعون بخبرات متميزة، وبروح المسؤولية العالية، طبقا لما تمليه الدراسة الفاحصة لواقع سوق العمل وإمكاناته المستقبلية.

11-إعطاء عناية خاصة لصياغة أهداف محددة فيما يتعلق بـ: نسبة التمدرس.- نسبة التسجيل والتزايد. - نسبة التأطير( نسبة التلاميذ للمدرسين) - نسبة استغلال الفضاءات التربوية- نسبة نصيب التربية في الميزانية الوطنية، ونسبة ما يمكن توفيره من خارج الميزانية.

12-اعتماد سياسة المواءمة و الحوار بين الفاعلين والشركاء الرئيسيين، فيما يتعلق بأهداف التمدرس وسبل تنظيم مختلف المستويات التعليمية، وبالتمويل العمومي، والتمويل المتأتي من خارج الميزانية العامة.

 

2

ليست هذه العناصر  حاضرة كلها بوضوح ضمن الخطة العشرية لوزارة التربية، ولكنها أيضا، ليست غائبة عنها تمام الغياب، بل يمكن القول إنه توجد نواة لكل عنصر منها ضمن الخطة، بحيث يمكن التأسيس عليها، بشرط تطويرها وتحديثها بصورة مستمرة ضمن عملية متنامية متطورة بتطور المجتمع وحاجاته وتطور العصر وتحولاته.

 وعليه يمكن  الجزم بناء على هذه القراءة الأولية للضمني في الخطة  العشرية أو البرنامج الوطني للإصلاح التربوي، أنها غير كاملة، ولكنها ليست من القصور بحيث تكون مصدر الإخفاق الذريع الملاحظ، لذلك فلا بد أن مصدر الإخفاق الأساسي يكمن في الأداء. وليس بوسع الملاحظ  أن يضع اليد بصورة ملموسة على نواقص الأداء، ما لم يقم بإعداد استبيانات تتم الإجابة عنها ميدانيا، من قبل كل من الفاعلين الأساسيين في العملية التربوية: المخططين، المشرفين، المدرسين، الدارسين، الخريجين، مشغلي الخريجين، أولياء أمور التلاميذ....وتتم دراستها، واستخلاص النتائج منها، وهو أمر غير متاح لنا الآن، لذلك سنضطر إلى استبداله ببدائل أخرى دالة، يمكن استقاؤها من مصادر خارجية ذات مصداقية، ومن مصادر محلية، أهمها مصادر الوزارة نفسها،  لعلها تقدم مجتمعة صورة ولو جزئية، عن واقع التعليم في البلد عامة، وعن  مخرجاته خاصة، والمخرجات، كما هو معروف عند أهل هذا الفن، أكثر دلالة في روز مصداقية النظام التعليمي من أية خطط مرسومة، وأية أهداف معلنة، إذ المكتوب على الورق شيء،  والواقع المنجز شيء آخر .

وعلى هذا الأساس، سنتلمس خط سير تنفيذ هذه الخطة العشرية في سنتها السادسة، من خلال بعض البيانات الدالة، من ضمنها:

 

1- نشرة أصدرتها منظمة اليونيسكو في شهر مايو 2007 نعثر فيها على المعطيات التالية عن التعليم في البلد و فيها أن:

   أ-نسبة التسجيل في المرحلة ما قبل الابتدائي= 02%

   ب- نسبة التسجيل في المرحلة الابتدائية= 072%   يصل منها المرحلة النهائية =45% (أي من 072%)، أي حوالي 32.50% من الأصل عامة، وهي نسبة أكبر مما أكدته وزيرة التعليم في تصريح لها يوم20/8/2007، حيث قالت إن نسبة التسرب في التعليم الابتدائي هي واحد من كل اثنين، أي50%.

   جـ-نسبة التسجيل في المرحلة الثانوية= 15.50% [معروف كم نجح منهم هذا العام:=11.99%(أي من 15.50%)]، أي حوالي 2% من الأصل عامة.

   د-نسبة التسجيل في المرحلة الجامعية=03% أي من الذين يسجلون في العليم الثانوي.

  هـ-نسبة التلاميذ للمدرسين= 40 تلميذا للمدرس الواحد. ( أكثر من 54% حسب الخطة العشرية).

   و-نسبة الإنفاق العام على التعليم=2.3% من إجمالي الناتج القومي الخام=  8.3% من الميزانية العامة للدولة: من هذا المبلغ: 62% للابتدائي، 33% للثانوي، 05% للعالي.

  ز-نسبة الأمية تتراوح بين 40-50% ( حوالي   60% حسب مصادر أخرى)، وكلا الرأيين مفرط في التفاؤل.

 

2- التقهقر المستمر لنتيجة امتحان مركزي في تقييم خطط الوزارة على مدى 34 سنة، هي ماضي عمر هذا الامتحان البالغ الدلالة، حيث نجد أنه ابتدأ بـ 58% ووصل هذه السنة إلى أقل من 12% بحيث وصل متوسط الرسوب فيه إلى أكثر من 80%، وهذه هي النتائج بالأرقام كما أعدتها الوزارة نفسها:

تطور عدد المسجلين وعدد الناجحين والنسبة بينهما، عبر 34 سنة:

م

السنة

المترشحون

الناجحون

النسبة%

الحقب

1

2007

29637

3554

11،99

العهد الجديد

2

2006

24941

4591

19،65

3

2005

22011

3799

18،34

                                              عهد العسكر2

4

2004

20410

2433

12،70

5

2003

18520

2917

17،00

6

2002

17480

3115

17،82

7

2001

16956

2253

13،29

8

2000

15887

2686

16،91

9

1999

15272

2383

15،60

10

1998

13876

3137

22،61

11

1997

12250

2207

18،02

12

1996

11372

2343

20،60

13

1995

11316

2559

22،61

14

1994

11294

1780

15،76

15

1993

9410

1900

20،19

16

1992

8981

2529

28،16         

17

1991

8698

1964

22،58

18

1990

8140

1737

21،34

19

1989

7859

1772

22،55

20

1988

7433

1761

23،69

21

1987

6131

1551

25،30

22

1986

5643

1625

28،80

23

1985

4972

2014

40،51

24

1984

3613

1241

34،35

عهد العسكر:1

 

25

1983

3075

1132

36،81

26

1982

2507

927

36،98

27

1981

2255

750

33،26

28

1980

1271

712

56،02

29

1979

681

303

44،49

30

1978

513

235

45،81

العهد المدني:1

 

31

1977

413

192

46،49

32

1976

342

161

47،08

33

1975

309

157

50،81

34

1974

309

180

58،25

االمجموع

313777

60590

19،309

 

 

3-إذا اعتمدنا على إحصائية وردت في الخطة العشرية المذكورة- وقارنا مجموع عدد الذين ترشحوا لشهادة ختام المرحلة الثانوية في البلد، إلى حد هذه السنة2007، أي على مدى أكثر من ثلث قرن  وهو:(313777) ومن نجح منهم، بالفعل وهو: (60590)، بعدد من هم في سن التمدرس(6-17) في سنة واحدة فقط هي سنة  1998و هو(766369)، منهم(348831) في سن مرحلة التعليم الثانوي، أي: (12-17)، نجد أن نسبة الذين حصلوا على الثانوية العامة من أبناء البلد عبر أكثر من ثلث قرن يساوي نسبة 7.90% من أبنائه الذين هم في سن التمدرس خلال سنة واحدة، و02% من عدد السكان اليوم، وإذا كان الأمر كذلك،  وهو ما تثبته الأرقام الرسمية فمعناه  أن تقدير نسبة الأمية في البلد بـ 40-50% يحتاج إلى مراجعة، سواء اعتبرنا أن إكمال التعليم الابتدائي هو الفيصل الأساسي بين الأمية والتعلم باعتبار الأمية الأبجدية، أو اعتبرنا أن تجاوز امتحان الشهادة الثانوية بنجاح هو ذلك الفيصل، باعتبار الأمية الحضارية.

 

4-ترشح لدخول التعليم الثانوي سنة 2007عدد39969 نجح منهم 20273أي 50.72% وترشح للتخرج منه في السنة نفسها 29637 نجح منهم 3554 أي 11.99%

والعناصر الأربعة المعروضة تبرز بوضوح أن نسبة نجاح الأداء إلى حد الآن، ليست أعلى من نسبة نجاح الطلبة في شهادة البكالوريا، المعروضة بالأرقام أعلاه. 

 

5-خلال العقود الثلاثة الماضية عرف المواطنون هجرات إلى الخارج لم يشهد تاريخ البلد مثيلا لها: إلى إفريقيا الغربية والوسطى، وإلى أوروبا وأمريكا، وإلى العالم العربي وشرق آسيا، ولعل نسبة قليلة من هؤلاء المهاجرين الذين طردهم سوء الحال في بلادهم، هم ممن يمتلكون تكوينا وخبرة فنية تؤهلهم لدخول سوق العمل، فأغلب المهاجرين إلى إفريقيا هم ممن لم تتح لهم فرصة التمدرس أصلا، والكثير من المهاجرين إلى الخليج كذلك، وبعض منهم خريجو مدارس، ولكنهم اضطروا إلى أعمال يعمل فيها معهم، وبالامتيازات نفسها، زملاء لهم، لم يسبق أن احتوتهم مدرسة، والقلة القليلة هي التي تملك كفاءات علمية: طلاب سابقون في الخارج، أو أساتذة، ولعل نسبتهم من مجموع المهاجرين قليلة جدا.

 

تلك بعض الشواهد على إخفاق خطط وزارة التربية، بما فيها الخطة العشرية التي مازالت قيد الإنجاز، ولا يمكن لذي بصيرة أن ينكر أن أسباب هذا الإخفاق سياسية بالدرجة الأولى، ويمكن أن نعرض بعض معالم منها فيما يلي:

 

 

3

إن من يتتبع مراحل تذبذب السياسات العشوائية في هذا البلد الذي ابتلي باحتلال داخلي غبي دام أكثر من ربع قرن، يعرف أن هذه حصيلة طبيعية لتطور المراحل السياسية التي أفضت إليها، وحصاد يتناسب مع السياسات الارتجالية لحكام أميين حضاريا، ظلوا على  مدى احتلالهم الذي امتد من{1978-2005} يرون أن التعليم عبء لا لزوم له،  فلم تكن رؤاهم السياسية،وخططهم الاقتصادية، تتعدى جيوبهم، وكان التعليم، كالمجتمع عندهم، ضيفا ثقيلا، لعل مسوغ  بقائه قطاعا عاما هو القروض المعتبرة (التربية رقم 1، 2، 3، 4، 5، 6...)التي تقترض على حساب المجتمع باسم التعليم، وتنفق في غيره، ولا يمكن الحصول عليها دون وجوده، و يقتضي تفعيله إنفاق بعض منها فيه، لأن ذلك يعني استيعاب سيل سنوي من التلاميذ الجدد، وإيجاد من يستقبلهم،ومأوى لاستقبالهم، وتخريج دفعات جديدة منهم تبحث عن ملاذ: وظيفة، أو مواصلة تكوين، حاولوا يوما ما [1981] التحايل عليه، بإنشاء معسكري " حضانة للكبار" في المدرستين الموروثتين عما قبل العهد العسكري[ E N A&E N S]، ليودعوا فيهما كل باحث عن تكوين انتزع شهادة الثانوية غلابا، ثم أصبح هذان المعسكران بسبب ضغط الأجيال الناشئة الباحثة عن قبس يخرجها من قمقم الظلام، ورغم انعدام أبسط الوسائل، جامعة من ثلاث كليات أو أربع, تخرج سنويا أفواجا تبحث عن وسيلة عمل، في بلد يتضاعف عدد سكانه كل ربع قرن، وهو تطور أزعج هؤلاء المحتلين القاصرين، فوجهوا أبواق دعايتهم إلى صرف نظر الخريج عن طلب الوظيفة في الدولة التي هي مزرعتهم الخاصة، والتي هي مصدر العمل الوحيد في البلد، وإلى إقناعه بضرورة البحث عن العمل في ميدان الحلاقة أو حراسة بعض الحنفيات العمومية، أو ما شاكل ذلك....، وهو ما يعبر عن رؤيتهم البدائية التي تحتقر العمل والإنتاج ، وبالتالي، لا ترى للخبرة فائدة،  ولا للعلم والتعليم قيمة، وبالتالي فكل ما ينفق فيهما من وقت ومال هو عبث، وجهد ضائع وهذه بعض الحوادث الشاهدة المعروفة لدى الجميع: 

           

1-عندما أسند المحتلون فور انقلاب 1978 الوزارة إلى مدرس من أهل الميدان( سك مام جاك) وحاول القيام ببعض الإصلاحات،  أغضبتهم، لأنها كلفت بعض النفقات، فأخرجوه من الوزارة، وأخذوها لأنفسهم، ولكن أيا منهم لم يقبل أن يتولاها لأنها(صيد هزيل)، فكان من تسند إليه يعتبرها نقمة عليه وتنكيلا به( أسندت إلى اثنين من "المجلس" امتنعا عنها، آخرهما ثار للإهانة وغادر البلد سرا، ثم عاد يقود كتيبة للاستيلاء على الكعكة بكاملها 16/3/1981،

2-عندما تظاهر بعض التلاميذ1979 احتجاجا على البرامج قال الحاكم وقتها: "اتركوا كلا يدرس ما يريد"، أي لا لزوم لخطة، ولا هم يحزنون.

 

 3- عند ما أٌُُعلِن عن إفلاس ذلك النظام، بالتغيير في مواقع قادته واللجوء إلى (برنامج التقويم الهيكلي) 1984 ، قال وزير مالية الحاكم الجديد: إنه لابد من التخلص إما من نفقات التلاميذ وإما من نفقات المدرسين، وهو رأي كان لابد أن يبقى في السر لأنه  من السخف بحيث سيفضح النوايا المبيتة، وبالتالي، سيمنع المانحين من تقديم قروضهم.

 

 4- مع النسخة الجديدة من ذلك النظام، أسندت الوزارة بعد أن ضم إليها تكوين الأطر، إلى مدني من خارج القطاع، فبقي عليها أكثر من عقد من الزمن، قام فيها ببعض الإجراءات التنظيمية، التي لم ترق إلى درجة خطة إصلاحية، لأن المهمة المكلف بها، إنما هي خفض النفقات، وإسكات أصوات المطالب، وإعداد ملفات يقبل المانحون بها، وقد قام بمهمته إلى حين.

 

5- مع استمرار الانسداد وضغط الطلب، بدأت الأصوات ترتفع، فأدخلت الوزارة في لعبة العزل والتعيين، لمجرد الإلهاء فيما يبدو، فتعاقب عليه أشخاص كثيرون: يعينون عليها اليوم اعتباطا، ويقالون غدا اعتباطا، يدخلون اليوم ويخرجون غدا:  كتاب ضبط  أكثر من مرة، (حولها بعضهم إلى سوق لبيع كل شيء في مزاد علني مفتوح: الشهادات، التحويلات، التعيينات....)، مدرسون، محامون، مساعدون إداريون، بيطريون... ولكثرة ما تعاقب عليها، أصبح كل داخل لا يفكر فيما بعد يومه، لأنه كما قال أحدهم:" يخرج من مكتبه يوميا، وهو غير واثق من أنه سيعود إليه غدا".

 

6-وصل الأمر  بالتلاميذ إلى أن يئسوا فأصبحوا  يذهبون إلى المدرسة فقط، لأنهم لا بديل لديهم عنها، أما من لدى ذويه وعي وإمكانيات، فإنه يتوجه إلى المدارس الخاصة رغم نواقصها، أو يتوجه إلى المدارس الأجنبية( تيودور مونو) أو غيرها، أو يذهب إلى خارج البلاد.

 

7- وصل اليأس وسوء الحال بالمدرسين، إلى أن أصبحوا يبحثون عن قوت يومهم لدى المدارس الخاصة، أو عند الصحافة، أو في سوق الباعة المتجولين، أوخارج البلد.

 

8-أما أغلب الأهالي فهم حائرون بين تعليم فقدوا الثقة فيه، لأنه لا يقود المتعلم إلى علم ولا إلى عمل، ومصير مجهول لأبنائهم، وهم يرون العالم من حولهم يتسابق في أشواط التقدم وهم ينغرزون يوما بعد يوم في دركات التخلف، وليس بمكنتهم أن يقدموا لذويهم غير الجهل والفقر والجوع.

 

تلك بعض أسباب إخفاق خطط وزارة التربية إلى حد الساعة، وهي أسباب ترسخت جذورها على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، مما يجعل القضاء عليها يتطلب عملا جبارا طويل النفس، قوامه التخطيط  والتنفيذ، والتحسيس، والإقناع، والدأب.

 

 

4

والواقع أن أي خطة هي مجرد تصور ممكن، ضمن تصورات ممكنة كثيرة، وكل تصور هو بناء نظري يكتسب مصداقيته من الممارسة والروز المباشر في الميدان، ولكن بدون إرادة مخلصة وجادة، وخطة محكمة، وتصور نظري مؤسس، وقرار سياسي سليم وصارم، لا يرجى من أي خطة،  ولا من أي عمل، ولا من أي إنفاق، غير  حصاد الخيبة والإحباط وهدر الطاقات، التصور والتجريب والعمل والدأب والجد والإخلاص والقرار السياسي، كلها حزمة من الفعل الخلاق، يجب أن تتضافر وتتكاتف وتتعاضد لتخلق الأمل وتشيد المستقبل بعقول الرجال وإرادتهم وسواعدهم، والواضح أن هذه الحزمة لم تلتق من قبل في هذا البلد، ولذلك كان مصير كافة الخطط فيه هو الإخفاق.

إن صورة واقع التعليم في بلادنا على نحو ما  تبدو،  للمتمعن، صورة تبعث على كثير  من القلق والأسى، لأنها في التحليل النهائي هي صورة مستقبل البلد برمته، وهي لذلك، تستدعي من كل من لديه كبرياء في نفسه، وغيرة على وطنه، وقلق على مستقبل أبناء جلدته، أن يتحرك في سبيل رفع هذا التحدي، وأن يساعد السياسي الذي قد لا تسمح له مشاغله الآنية، وسيل الطفيليين الذين يسدون عليه أنفاسه، بأن يرى ما وراء أرنبة أنفه، في أن ينتبه إلى أن هذه الوضعية المزمنة مزرية، ولا صبر عليها، و لا يمكن أن تستمر، وأنها ليست قدرا على البلد، كما أن الحكام العاجزين ليسوا قدرا عليه، وأنه كسائر البلدان، لديه قدرات مادية وطاقات بشرية، يمكنها أن تخرجه من هذه المحن، وترفع عن كاهله هذه التحديات، بمجرد توفر القرار السياسي، و النفوس القوية والإرادات الأمينة، والكفاءة الإدارية المخلصة، والرؤى الخلاقة والتجريب المبدع، والعمل الفاعل، وروح التضحية الحقة، وأملنا أن تكون دماء الشباب في الحكومة الجديدة فاتحة عهد جديد، مغاير لكل ما مر من حكومات تساوت فيها حكمة الشيب بحيوية الشباب في العجز ، وقصر النظر،  وغياب روح الوطنية المسؤولة.

 

مضى حكام  الاحتلال الداخلي القاصرون بما يحملون من أوزار، وما اقترفوا في حق أمتهم من آثام، ولئن كان من السابق لأوانه القول إن نظامهم مضى معهم،  فإن من حق المواطن  الآن على الأقل،  أن يحلم أنه  في بداية عهد جديد، وأمل جديد، يتمناه عهد مدينة الحرية المسؤولة والرخاء والبناء والتقدم، والفعل الخلاق الواعد،  عهدا مختلفا عن عهد "مدينة الرياح" وحكامها العاجزين، وكل عمل جبار بدايته حلم جبار، لذلك فلابد أن يتجاوز البكاء على ما فات، ويضمد الجراح، وينظر إلى المستقبل، ويشغل المادة الرمادية في دماغه، ويوقد شعلة الفعل والعمل الدؤوب القائم على التخطيط المحكم، والتجريب المبدع، واليقظة السياسية التي لا تترك للخائنين ملاذا.

 

 

في موقف أصحاب الرأي:

 

 قد يعترض معترض على وصف موقف النخبة من هذه القضية بالسلبية والإخفاق، بأن  التركيز  هنا على النظام التربوي خاصة دون غيره من مجالات الحياة، مبالغ فيه، وأن للبلد نخبة مثقفة، تعيش الواقع وتعيه، ويدافع بعض منها عن مصالح الأمة ويواجه طغيان الحكام أحيانا، كثيرة، وأن ما جعل هذه النخبة لا تقيم  الدنيا، عند هذه الحادثة الخاصة، ولا ترفع صوتها عاليا اعتراضا عليها، هو أن هذه الحادثة مجرد قضية من قضايا كثيرة هي منشغلة بها: تناضل من أجل حلها، يوما بيوم وساعة بساعة.

 والحق أن بعضا من النخبة هو كذلك، وهو مقدر تقديرا عاليا لذلك، ولكن " النخبة" الأكثر تأثيرا والأعلى صوتا هي " النخبة" التي أنتجتها سوق النساء بالعاصمة، (والمرأة الصحراوية كما هو معروف، يمنحها المجتمع منذ القديم الحرية ويعفيها من المسؤولية)، وهذه النخبة السوقية، هي إفراز طبيعي لذلك النظام الذي همش على مدى ربع قرن، كل شيء يتعلق بالاستثمار في المصادر البشرية وفي الثروة الرمزية، لأنه استثمار استراتيجي لا يهتم به ضعفاء النفوس الذين انعدمت لديهم الرؤية والبصيرة، ولا اللاهثون و وراء المال، من سفهاء وسفيهات، دفعوا بقادتهم  إلى إحلال قيم"الكزرة"، و" اتلحليح"، و" التبتيب"، والنعرات القبلية، والأحقاد العنصرية، بدائل عن قيم" الشرف والإخاء والعدالة" و مبادئ المواطنة والوحدة الوطنية، و الدولة العصرية  والديموقراطية.

 ولعل صوت هذه الفئة الطفيلية ما زال بعد سقوط رؤوسها، يحجب صوت النخبة الوطنية المثقفة الغيورة على مصالح شعبها وأمتها.

 وصحيح أن الخلل شامل، وأن البلد  كما وصفه أحد الحكام السابقين قبل أقل من سنتين، "بقالة ملأى بالعلب الفارغة"، أي خاو على عروشه، وهي ملاحظة وردت عند سلفه وعند خلفه، ولو بعبارات مغايرة، وأن إفلاس رأس المال الرمزي، يوازيه إفلاس رأس المال المالي، وأن الإفلاسين كلاهما كارثي،  ولكن خفوت صوت النخبة الوطنية حيال الإفلاس الاستراتيجي المتعلق برأس المال الرمزي، في كل الأحوال، رسوب جماعي غير مقبول، ولا يمكن أن يسوغه علو صوتها حيال الإفلاس التكتيكي المتعلق برأس المال المالي، فلا عذر لأحد في السكوت على إفلاس النظام التربوي،  فالتعليم كالماء، هو ملاك الأمر عند من يدركون جواهر الأشياء، فكافة أهل الذكر في العالم المعاصر يكادون يتفقون على أن النظام التربوي هو قطب الرحى الذي يقوم عليه  تقدم الأمم وتطورها وعزتها في العالم المعاصر، كما كان في العالم القديم، وأنه بدونه لا مستقبل لأية أمة، وأن بوابة الفقر الأساسية هي الجهل والأمية الأبجدية والحضارية، وأن بوابة الخروج من قمقمه تمر حتما بالتربية، فقد أشار البنك الدولي منذ 1980 إلى أن "مكافحة الفقر تمر حتما عبر تثمين المصادر البشرية، وهو ما يقتضي التركيز على التربية وتكوين الشباب والكبار معا"، وقد اقترح برنامج الأمم المتحدة للتنمية (pnud) منذ 1990 "معيارا مرجعيا لتقدم الأمة، هو مؤشر التنمية البشرية القائم على معدل الإنتاج القومي الخام، ومستوى معدل عمر الفرد  ومقياس الظروف العامة للتربية:مستوى التهجي ومتوسط فترة التمدرس". وعرف بعض الخبراء الاقتصاديين  التنمية البشرية بأنها:"توسعة النطاق الذي يمكن أن يتاح لكل فرد أن يحتله طيلة حياته"، وعرف الخبير الاقتصادي الهندي[Amartya Sen]  مفهوم الفقر بأنه" انعدام القدرات الوظيفية الأساسية". أي أنه ليس الحاجة المادية، للتغذية المناسبة، وللباس المناسب، وللسكن المناسب، وللوقاية من الأمراض،وللعلاج المناسب فقط، بل هو قبل كل شيء، الحاجة غير المادية: لاكتساب المعرفة، والقدرة على التعبير عن الرأي إلخ.   

هذه الآراء آراء لمؤسسات وشخصيات لا يمكن الطعن في مصداقيتها أو في تجربتها وخبرتها واتساع رؤيتها، وكلها تؤكد أن إتاحة الفرص للجميع، للوصول إلى النظام التربوي، عامل حاسم في التنمية البشرية، على المديين القريب و البعيد. وتبرز أن التعليم هو المصدر الأول لكل تطور وتقدم ورفاه، ومنبع الحياة الكريمة لكافة أبناء أي بلد وأي شعب، في عالم اليوم، لأنه المصدر الوحيد الذي يمكنه أن يتيح للجميع هذه الحياة  الكريمة دون تمييز ولا إقصاء ولا استحواذ،  فالتربية بذلك، هي التي تمكن الفرد، إضافة إلى القراء ة والكتابة والحساب، من اكتساب الخبرة التي تهيئه لممارسة المهن، وتزوده بالقدرات الفكرية والسلوكية والخلقية التي تؤهله للإبداع وللتكيف مع الظروف الجديدة، وعلى امتلاك روح المبادرة والقدرة على المشاركة في عمل الفريق، وتجعله عنصرا منتجا  فاعلا في المجتمع.

وعلى هذا الأساس، فإن التغاضي عن الخطأ في العمل التربوي، أو تهميشه أو إهماله، يرقى إلى رتبة الخيانة العظمى، وهي خيانة للمسؤولية بقدر ما هي خيانة للنفس وللمجتمع وللوطن وللتاريخ. وكل الدلائل تظهر أنه بدون إصلاح القطاع التربوي في بلد كبلدنا، لا أمل في حياة أفضل بالنسبة للمواطن، وسيبقى البلد جسما ممزقا يعيث فيه فسادا خفافيش الظلام، كما دأبوا عليه خلال أكثر من ربع قرن، فلا أهمية للحديث عن أية ثروة أخرى،  ما دامت الثروة البشرية معطلة، لأن العنصر البشري المنتج يكتفي ذاتيا وينتج فائضا، ويصون ما أنتج، فيحدث التراكم، ويتكون رأس المال، وتنتشر الثروة، ويعم الخير والنماء، أما إذا كان العنصر البشري غير مؤهل، فكل ما يعترض طريقه، سيبذر  ويبدد، وفوق ذلك سيظل المجتمع جسما هلاميا، عرضة لكل دعاية مغرضة، يميل مع أي رياح تهب، والوقائع الشاهدة على ذلك في حياتنا الاجتماعية ماثلة لمن يرى ويسمع، بصورة لا تحتمل التأويل ولا المماراة. إن التعليم هو صناعة الرجال، فكم من إنسان كان أبوه وأمه في أسفل الهرم الاجتماعي  ودخل من باب المدرسة إلى مصاف علية القوم وقادة المجتمع، وكم من آخر كان ذووه في قمة هرم المجتمع، وألقى به  إخفاقه الدراسي وأميته في أسفل سافلين، بل كم من أمة تملك من الثروات الطبيعية الشيء الكثير، ولكن تخلفها العلمي وضعها في مؤخرة الركب، وألقى بها في أتون الفقر والخصاصة، وكم من أمة لا تملك ثروة طبيعة، بل حتى لا تملك الماء الصالح للشرب، ورفعها علمها إلى مقدمة ركب الأمم المتقدمة التي ترفل في حلل العزة والرخاء، والمقارنة بين موريتانيا ونيجيريا ونظائرهما كثيرة في العالمين العربي والإفريقي، من جهة، وسنغافورة وماليزيا ونظائرهما من النمور الآسيوية، من جهة أخرى، دالة في هذا السياق.

ملاحظات ختامية:

  تلك ملاحظات موجزة، تلمح أكثر مما تصرح، وتسعى إلى وضع معالم على طريق الخلاص من هذه الوضعية، ولئن بدت في جزء منها تحلل وتشخص، وفي جزء منها تؤرخ وتقيم،  فإنها ترمي من وراء كل ذلك، إلى:

 1- تصور شامل لمجال برنامج إصلاحي ممكن لقطاع التربية الوطنية.

 2- تصور شامل للأداء العملي الذي يمكنه أن ينقل هذا البرنامج من القول إلى الفعل.

 3- تذكير صاحب القرار بأن الأمر جدي، ولا يجدي فيه التسويف، وانتظار أمطار السماء من الذهب والفضة والخيل المسومة، وأنه ليس من المقبول، أن يظل مستقبل البلد وأهله، رهينا لخطط وهمية، ترسم على الورق لهذه الغاية أو تلك، ثم تخفى في الأدراج، ومنها إلى سلة المهملات، وتتبخر الطاقات البشرية والمادية القادرة على تحقيقها، كما تتبخر سحب تموز، ويجني المواطن ثمارها، تضخما وضرائب، وانخفاضا في قيمة العملة الوطنية، وبالتالي، في قدراته الشرائية الضعيفة أصلا، ويزداد فقرا على فقر، وجهلا على جهل، وتخلفا على تخلف،

 4 -تذكير المجتمع بأن التسامح في التعامل مع الأفراد، في مجال العلاقات الشخصية، والحق الخاص، فضيلة، ولكنه في التعامل مع الحكومات، في مجال حقوق الآخرين ،والحق العام،رذيلة، وظلم، وخور، ومشاركة في الجريمة.

  5- تذكير حملة الأقلام وأصحاب الرأي خاصة، بأن للمسؤولية معنى، وللرسالة أمانة، أشفقت من حملها الجبال وحملها الإنسان، وإذا لم يضطلع بأدائها يكون ظلوما جهولا، يلعنه الله، قبل أن يلعنه المجتمع و التاريخ.

*أ د محمد عبد الحي :  جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا وجامعة نواكشوط.

 

 

 

 

 

 

 

 

3

 

 

 

 

 

 

4

 

 

 

       

 

 
   


 


 
 

 

 



 

 
 

 

 

الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة

وثيقة : حينما توزع "الضيعة" بين أفراد أسرة أهل اعليه

منظمة حقوقية عربية تشكك في نزاهة الانتخابات الموريتانية

مراقبون : الشعب الموريتاني ضحية لمؤامرة دولية

مراقبون يقيمون خطاب استقالة ولد الشيخ عبد الله

ولد داداه يعد ب "التغيير الصادق في ظل الوئام الوطني"

ولدعبد العزيز... الأخطاء الستة القاتلة، بقلم محمد ولد المنى

صحيفة سنغالية : اعلي و عزيز قد يتحالفان في الشوط الثاني

"التكتل" : علاقتنا ب "تواصل" لا يمكن أن تتأثر بحادث عرضي

نيويوركر : موريتانيا تحتضن سجنا سريا لسي آي ايه

قصيدة : لا، لم تمت يا شيخنا

 

 

  اطبع