النظام التعليمي
الموريتاني: حصاد الهشيم، قراءة د. محمد
عبد الحي
توطئة
كتبت
قبل فترة وجيزة ملاحظات رد فعل تلقائيا على مشكلة البكالوريا الوطنية
التي
ناهزت
نسبة الرسوب فيها هذا العام
90%
وليست لأول مرة، دون أن يثير الأمر أي رد فعل
يذكر، لا من المجتمع، ممثلا في حملة الرأي منه، ولا
من أصحاب القرار، ممثلين في وزارة التربية و القيمين عليها، وهو موقف
من الطرفين يعسر فهمه، خاصة,
أن هذه النتيجة تتويج وحلقة جديدة في سلسلة من الإخفاقات ابتدأت مع
تنظيم أول امتحان للثانوية العامة على أرض الوطن سنة 1974، ومازالت
حلقاته تتصاعد طرديا، مع تزايد عدد التلاميذ، فمتوسط الرسوب في هذا
الامتحان الحاسم على مدى 34 سنة، هي عمره،
ظلت تزيد على
80%، وهي نسبة لا نكاد نسمع عن نظير لها في بلد في عالم اليوم،
(الجزائريون احتجوا هذا العام لأن نسبة النجاح في الثانوية لم تتجاوز
53% والفرنسيون قبل سنوات احتجوا لأنها لم تتجاوز 75%)، وإذا كان الضغط
الأمني الاستخباراتي سوغ تسويغا غير أخلاقي، خلال ربع القرن الماضي
تكميم الأفواه والسكوت على الدنية، فإن الأمر في هذه الحقبة غير مسوغ،
بأي وجه من الوجوه.
الرسوب إذا، مزدوج، فهو من جهة، رسوب لنسبة 90% من
طليعة الأجيال الصاعدة المفترض أنها ذخر المستقبل، وأمله الأوحد. وهو
من جهة أخرى، رسوب بنسبة 100% لطليعة قادة الرأي في البلد المفترض أنهم
حماة الوطن والضامنون لمستقبله، رسوب لهم في مجرد الإحساس بالكارثة
التي تحيق بمستقبل بلدهم.
والسبب الذي لامناص من افتراض أنه في مقدمة أسباب رسوب
هذه النسبة العالية من الأجيال الصاعدة، هو قصور خطط وزارة التربية
الوطنية أو قصور أدائها أو قصورهما معا، وهو قصور مثل هذا الحدث دركاته
بصورة غير قابلة لأي تأويل آخر.
أما أسباب رسوب قادة الرأي في الوعي بمخاطر ما حل
ببلدهم، واستسهالهم لهذا الهوان، فلا يمكن تفسيره، حتى ولو بمقولة: "
طول السواد وقرب الوساد".
وأعود للحديث عن الموضوع بشيء من التأني، والتأمل، في
الخطط وفي النتائج والأسباب.
في خطط وزارة التربية وأدائها.
1
لدى وزارة التربية كم ضخم من الخطط والمقررات والوثائق
التي ظلت تقدم باستمرار للمؤسسات الدولية ضمن ملفات طلب التمويل، و قد
دأبت تلك المؤسسات الدولية على تقديم تمويلات مهمة لتلك الملفات، على
مدى عقدين من الزمن، تحمل المواطن جراءها ديونا بمئات ملايين
الدولارات.
ومن أهم هذه الخطط وأحدثها تاريخا الخطة
العشرية(2001-2011) المسماة {البرنامج الوطني لتنمية قطاع التربية}(
PNDSE)،
التي ما زالت قيد التنفيذ.
وبتصفح تلك الخطة نجدها تعرض:
1-إطار العملية التربوية العام: (الديموغرافي، والاقتصادي، التشغيلي).
2- النظام التربوي: (وصفا، و تشخيصا).
3-الإستراتيجية العشرية: توجهاتها الكبرى في سبيل تطوير النظام
التربوي في المراحل: (الأساسية، الإعدادية، الثانوية، العالية)،
وتطوير إدارته وتسييره عامة، وتطوير إدارة وتسيير برنامجه خاصة.
4- قضايا جزئية مثل: تمدرس البنات، ترقية القطاع الخصوصي.
و هي خطة يفترض أن تقوم الوزارة سنويا بمراجعتها، وإعداد تقرير عن تلك
المراجعة،
يبدو أن القسم الأول من الخطة العشرية المتعلق بالأطر
الديموغرافية والاقتصادية والتشغيلية يؤسس لتحليل قطاعي يسعى للإجابة
–ولو بشكل موارب-عن المدخلات، وعن المخرجات: مجالات التشغيل التي يمكن
أن تستقبل الخريجين، ونوعية التخصصات التي تتطلبها، وقدراتها على
الاستيعاب، ولكنه لا يكفي للإجابة عن الأسئلة المركزية في عملية
التخطيط التربوي للمدخلات، المتعلقة بعدد الأطفال الذين هم في سن
اللحاق يكل مرحلة، مثل: كمِّ المدِّ البشري في كل مرحلة، من الحضانة
إلى الجامعة، وتوجهاته: عامّ، فنيّ،حرفيّ، مهنيّ... ونسبة احتمال
التسجيل في كل مرحلة، و نسبة احتمال إكمالها، ونسبة احتمال التسرب
منها...وأسباب كل ذلك وانعكاساته، والمتعلقة بالوسائل المادية والبشرية
التي يمكن أن تسخر لاستيعاب هذا المد وطاقاتها الاستيعابية من مبان
ومختبرات، ومصادر تعلم، ومن عنصر بشري، واحتمالات تطور الجانبين المادي
والبشري بالموازاة مع مد الطلب، الذي يتضاعف كل ربع قرن...
أما القسم الثانيالمتعلق بوصف النظام التربوي وتشخيصه،
فيبرز في الجانب الوصفي، أن التعليم العام وتكوين المدرسين خاضع
للوزارة، أما التعليم المهني والتعليم الخاص فتابع لهيئات أخرى عمومية
وخصوصية، والتعليم العام منه عربي اللغة ومنه فرنسي اللغة. و يبرز في
الجانب التشخيصي، أن شعار التمدرس للجميع سنة ألفين، الذي كان هدفا في
التعليم الأساسي، لم يتحقق، كما يقر بنواقص كثيرة، فيما يتعلق بالتحكم
في تدفق المنتسبين إلى المستويات الأخرى الثانوية والعالية، و فيما
يتعلق بمسعى تحسين نوعية النظام، وتوزيعه على التخصصات، و ما يتعلق
بعدم مواءمة التخصصات مع حاجات سوق العمل، و كذلك الغياب الكلي للبحث
العلمي، و يقر إضافة إلى كل ذلك بسوء التسيير الإداري والمالي للموارد
البشرية والمادية.
وهو اعتراف بعدم المواءمة في النظام السابق على الخطة
العشرية، مع ضرورة ضبط مصادر التمويل الذاتي والعمومي والخاص وغيرها،
والتخصصات الضرورية في كل المراحل، وحاجات سوق العمل، والمستوى
المعرفي: العلمي والمنهجي للبرامج المطبقة، وعلاقته بحاجات المجتمع و
سوق العمل، في الخطة الجديدة.
أما القسم الثالث المتعلق بالإستراتيجية العشرية نفسها، فيحدد ثلاثة
أهداف لهذه الإستراتيجية هي:
1-توحيد النظام التربوي، باستخدام شعبة موحدة،
بديلة عن النظامين المختلفين أحاديي اللغة.
2-توطيد
التعليم في المرحلة الأولى الثانوية، بإضافة سنة جديدة إليها( رابعة)،
وإدخال مادة الفيزياء ابتداء من السنة الثالثة والمعلوماتية ابتداء من
السنة الرابعة، وهما إضافتان مقبولتان.
3-تعزيز تعليم اللغتين الفرنسية والإنجليزية، لعل من الأنسب أن يكون
يقرن بهما الحاسب الآلي، أداة العصر، وأن تبدأ المواد الثلاث من السنة
الرابعة الابتدائية، لأن هذه المواد الثلاث إضافة إلى اللغة الأم هي
مفاتيح الدخول إلى الحياة النشطة، والتلميذ الذي يتوجه من السنة
السادسة إلى التعليم المهنى، يجب أن يكون قد تزود بعلوم الآلة التي
ستقطع عليه طريق العودة إلى الأمية، وهي في هذا العصر مبادئ اللغات:
)المهارات
الأربع: الفهم، القراءة، الكتاية، التحدث(
والحاسب الآلي:
)المعلومات
الأساسية عن برامج الحاسب الآلي(استخدام الكومبيوتر، معالجة النصوص،
الجدولة، قواعد البيانات، العروض التقديمية:
Windows, word, Excel, Access, Power point
.
(،
الضرورية لمزاولة
العمل اليومي
في هذا العصر،
إضافة إلى استخدام الإنترنيت والبريد الإلكتروني، وهي معلومات يستطيع
كل تلميذ ابتدائي أن يكتسبها في فترة وجيزة، وبعناية من المدرسة
محدودة.
كما يحدد التوجهات الكبرى لتطوير النظام في مراحل
التعليم المختلفة: (الأساسية، الإعدادية، الثانوية، العالية)، وإدارته
وتسييره، وإدارة وتسيير برنامجه: ( تنمية القدرات، وتنظيم الإدارة
المركزية، وتقييم النظام باستمرار، وبرمجة الاكتتاب، وإعداد خريطة
مدرسية، وإعادة تنظيم الجامعة، وتنظيم التكوين المهني والتقني، وتحديث
البرامج والأدوات التربوية، واعتماد المهنية، والرفع من مستوى التأطير
الإداري والتربوي، وتحسين تسيير المصادر البشرية وعقلنته، و القضاء على
الفوارق الجهوية، وتدعيم تمدرس البنات، وتكثيف دور القطاع الخاص
وترقيته).
يمثل هذا القسم جوهر( البرنامج الوطني لتنمية قطاع
التربية) أي:-الرسالة، والأهداف، والتوجهات السياسية، واستراتيجيات
الإصلاح المؤسسي، وإقامة سياسة تربوية عملية وتنفيذها، ويظهر أن الفريق
الذي أعد الخطة على وعي بالخطوط العامة الأساسية للخطط التربوية
المتماسكة، لذلك يمكن اعتبار الخطة نواة صالحة لإعداد استراتيجيه
للإصلاح المؤسسي متماسكة، قائمة على التوجهات السياسية والاستراتيجيات
الكبرى للتنمية التربوية في البلد، أي: السياسيات المعلنة، والتوجهات و
الخيارات التربوية والتنظيمية، والاقتصادية العامة التي قد تؤثر على
العمل التربوي ونموه، وهي عناصر تستقى –كما هو معروف-من النصوص
المرجعية:(- الدستور. - السياسيات المعلنة. - النصوص التشريعية. -
المذكرات التوجيهية الخاصة بالقطاع. - خطط التنمية الاقتصادية
والاجتماعية)، وتصاغ ضمن إطار سياسي منسجم، يمثل خطة عمل ترمي إلى:
1- الوصول إلى تربية قاعدية شاملة تديرها الوزارة
ويساهم فيها الجميع.
2-إقامة توازن عادل يقوم على القضاء على التفاوت
بين:الذكور والإناث، وعلى عدالة التوزيع بين المناطق، وعدالة التوزيع
بين البدو والحضر، وعدالة التوزيع بين الفئات الاجتماعية.
3- تحديد نوعية التكوين وأهميته في المستويات المختلفة:
التربية القاعدية، التعليم الثانوي العام، التعليم الفني والمهني،
التعليم العالي، تعليم الكبار، ومواءمة كل ذلك مع حاجات العصر
والمجتمع، وبالتالي حاجات سوق العمل.
4-تحديد منزلة القطاع الخاص والمجموعات المحلية في
النظام التربوي، بحيث يلعب كل دوره، لكن بتخطيط دقيق وعلمي من خبراء
الوزارة، وتحت إشرافهم المباشر ورعايتهم الصارمة لكل كبيرة وصغيرة
فيه.
5-تنظيم المد الطلابي بين: القطاعين المصنف وغير
المصنف: العمومي والخصوصي، بين:الثانوي العام والفني والمهني،
بين:العالي الطويل والقصير، بين:الابتدائي والثانوي والعالي، تنظيما
يراعي القدرات الفردية للطالب، وحاجات مختلف القطاعات الإنتاجية
المتاحة في ميادين الإنتاج المحلية، وفي سوق العمل الإقليمية والدولية
التي يمكن لأبناء البلد أن ينافسوا فيها.
6-الجانب المؤسسي: التسيير والتخطيط والتوازن بين
المركزية واللامركزية وتوازن التوزيع، بما يضمن للجانب المؤسسي استثمار
كافة المصادر البشرية والمادية للبلد، استثمارا أمثل، وتنميتها تنمية
مثلى.
7-الشراكة والتواصل بين الفاعلين والشركاء، ومستويات
المشاركة والتواصل، بما يضمن الدفع بجميع الطاقات المتاحة والتي يمكن
ابتعاثها،إلى المساهمة في النهوض الشامل بالبلد.
8- ضبط التكلفة والسيطرة عليها في مستوى النفقات
العادية والشاملة، بحيث يسخر كل شيء لخدمة النفع العام، وبالتالي
للإنتاج والإنتاجية، بعيدا عن الاحتكار، والتعطيل والفساد والتبذير و
الهدر.
9- بناء سياسات توفير المصادر واستراتيجياتها، بالتواؤم
مع لامركزية القطاع الخاص ونموه، وكذلك بتنمية الشراكة.
10-تكوين المكونين وإعداد الخبراء والحرفيين، الذين
يتمتعون بخبرات متميزة، وبروح المسؤولية العالية، طبقا لما تمليه
الدراسة الفاحصة لواقع سوق العمل وإمكاناته المستقبلية.
11-إعطاء عناية خاصة لصياغة أهداف محددة فيما يتعلق بـ:
نسبة التمدرس.- نسبة التسجيل والتزايد. - نسبة التأطير( نسبة التلاميذ
للمدرسين) - نسبة استغلال الفضاءات التربوية- نسبة نصيب التربية في
الميزانية الوطنية، ونسبة ما يمكن توفيره من خارج الميزانية.
12-اعتماد سياسة المواءمة و الحوار بين الفاعلين
والشركاء الرئيسيين، فيما يتعلق بأهداف التمدرس وسبل تنظيم مختلف
المستويات التعليمية، وبالتمويل العمومي، والتمويل المتأتي من خارج
الميزانية العامة.
2
ليست هذه العناصر حاضرة كلها بوضوح ضمن الخطة العشرية
لوزارة التربية، ولكنها أيضا، ليست غائبة عنها تمام الغياب، بل يمكن
القول إنه توجد نواة لكل عنصر منها ضمن الخطة، بحيث يمكن التأسيس
عليها، بشرط تطويرها وتحديثها بصورة مستمرة ضمن عملية متنامية متطورة
بتطور المجتمع وحاجاته وتطور العصر وتحولاته.
وعليه يمكن الجزم بناء على هذه القراءة الأولية
للضمني في الخطة العشرية أو البرنامج الوطني للإصلاح التربوي، أنها
غير كاملة، ولكنها ليست من القصور بحيث تكون مصدر الإخفاق الذريع
الملاحظ، لذلك فلا بد أن مصدر الإخفاق الأساسي يكمن في الأداء. وليس
بوسع الملاحظ أن يضع اليد بصورة ملموسة على نواقص الأداء، ما لم يقم
بإعداد استبيانات تتم الإجابة عنها ميدانيا، من قبل كل من الفاعلين
الأساسيين في العملية التربوية: المخططين، المشرفين، المدرسين،
الدارسين، الخريجين، مشغلي الخريجين، أولياء أمور التلاميذ....وتتم
دراستها، واستخلاص النتائج منها، وهو أمر غير متاح لنا الآن، لذلك
سنضطر إلى استبداله ببدائل أخرى دالة، يمكن استقاؤها من مصادر خارجية
ذات مصداقية، ومن مصادر محلية، أهمها مصادر الوزارة نفسها، لعلها تقدم
مجتمعة صورة ولو جزئية، عن واقع التعليم في البلد عامة، وعن مخرجاته
خاصة، والمخرجات، كما هو معروف عند أهل هذا الفن، أكثر دلالة في روز
مصداقية النظام التعليمي من أية خطط مرسومة، وأية أهداف معلنة، إذ
المكتوب على الورق شيء، والواقع المنجز شيء آخر .
وعلى هذا الأساس، سنتلمس خط سير تنفيذ هذه الخطة
العشرية في سنتها السادسة، من خلال بعض البيانات الدالة، من ضمنها:
1- نشرة أصدرتها منظمة اليونيسكو في شهر مايو 2007 نعثر
فيها على المعطيات التالية عن التعليم في البلد و فيها أن:
أ-نسبة التسجيل في المرحلة ما قبل الابتدائي= 02%
ب- نسبة التسجيل في المرحلة الابتدائية= 072% يصل
منها المرحلة النهائية =45% (أي من 072%)، أي حوالي 32.50% من الأصل
عامة، وهي نسبة أكبر مما أكدته وزيرة التعليم في تصريح لها
يوم20/8/2007، حيث قالت إن نسبة التسرب في التعليم الابتدائي هي واحد
من كل اثنين، أي50%.
جـ-نسبة التسجيل في المرحلة الثانوية= 15.50% [معروف
كم نجح منهم هذا العام:=11.99%(أي من 15.50%)]، أي حوالي 2% من الأصل
عامة.
د-نسبة التسجيل في المرحلة الجامعية=03% أي من الذين
يسجلون في العليم الثانوي.
هـ-نسبة التلاميذ للمدرسين= 40 تلميذا للمدرس الواحد.
( أكثر من 54% حسب الخطة العشرية).
و-نسبة الإنفاق العام على التعليم=2.3% من إجمالي
الناتج القومي الخام= 8.3% من الميزانية العامة للدولة: من هذا
المبلغ: 62% للابتدائي، 33% للثانوي، 05% للعالي.
ز-نسبة الأمية تتراوح بين 40-50% ( حوالي 60% حسب
مصادر أخرى)، وكلا الرأيين مفرط في التفاؤل.
2- التقهقر المستمر لنتيجة امتحان مركزي في تقييم خطط
الوزارة على مدى 34 سنة، هي ماضي عمر هذا الامتحان البالغ الدلالة، حيث
نجد أنه ابتدأ بـ 58% ووصل هذه السنة إلى أقل من 12% بحيث وصل متوسط
الرسوب فيه إلى أكثر من 80%، وهذه هي النتائج بالأرقام كما أعدتها
الوزارة نفسها:
تطور عدد المسجلين وعدد الناجحين والنسبة بينهما، عبر
34 سنة: