هل
أصبح"الانقلاب الخامس عشر"على الأبواب؟
بقلم
أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
أوفى
عبدالله أوفى
كانت سيارة التاكسي تسير بسرعة مفرطة عابرة كل
إشارات الضوء الأحمر التي تقابلها عبر شارع جمال عبد الناصر، والعاصمة
نواكشوط تغط في نوم عميق بعد أن أشارت عقارب الساعة إلى تمام الساعة الواحدة
ليلا، وركاب التاكسي الستة يصيحون في وجه السائق : هل أنت مجنون ؟ خفف
السرعة وراعي الضوء الأحمر ، حتى لا تهلك نفسك وتهلكنا معك ، لم يبالي
السائق بتلك الصيحات المتعالية، ولم يعرها كبير اهتمام ، وإنما اكتفى
برفع مؤشر السرعة عن ما كان عليه معتبرا ذلك أحسن جواب يرد به على
الركاب المغلوبين على أمرهم ، مبرهنا بذلك على هشاشة نظام أمن المرور
في هذه الساعة ، حيث انعدام الرقيب فلا رادار ولا شرطة مرور على هذا
الشارع الذي يمر بقرب الأماكن الحساسة في الدولة ،والذي كثيرا ما يركز
عليه في عمليات الانقلابات الماضية ، فهذا الوقت عادة تكون فيه عين
الرقيب قد خلدت إلى الراحة بعد يوم مليء بالعمل المتواصل ، وهي الساعة
التي كثيرا ما اعتمدت كساعة الصفر للقيام بشتى الانقلابات التي عرفتها
البلاد مؤخرا ، بعد أن وصل المؤشر ذروته صاح أحد الركاب مخرجا بطاقته :
توقف معك نقيب من فرقة الصاعقة ، كبح السائق السيارة بشدة وأضاف
احترامات حضرة النقيب ، هذا غير معقول ، لم أكن أتوقع أن يكون من بين
ركاب التاكسي في هذه الساعة المتأخرة ضابط بهذه الرتبة ..
قاطعه أحد
الركاب : حقا أنكم أنتم الموريتانيون لا تفهمون إلا لغة العسكر ، لو لم
يكن من بيننا ضابط في هذه السيارة لهلكنا بحادث سير لا محالة ،سبحان
الله أصوات المدنيين مهما كثرت وارتفعت لا يؤبه لها ، وصوت ضابط واحد
يغير مصير أمة بأكملها ، قال السائق للضابط وهو يعتذر عن سوء صنيعه مع
أنه لا يزال يكبح السيارة لتخفيف السرعة التي كادت توصل المؤشر إلى
منتهاه : ما حملني على السير بسرعة هو أني أريد أن أعود ثانية إلى مركز
المدينة لحمل ركاب جدد كي أعوض عملي اليومي الذي تعطل بسبب دخولي
المرآب من الصباح وحتى المساء ، وأضاف وكأنه يريد تلطيف الأجواء ، ولفت
الانتباه عن تصرفاته الطائشة : لكن دعني أسألك حول ما تردد في الأيام
الأخيرة حول وجود تذمر غير مسبوق بين العديد من أفراد المؤسسة العسكرية
، حيث يزعمون أن الأموال الباهظة، والسيارات الفارهة التي خصصت لهم، لا
يحصلون على شيء منها ، وأن أحد العسكريين خرج أخيرا عن صمته ليؤكد ذلك
ولوح بإمكانية حدوث انقلاب إذا استمر الوضع على ما هو عليه ؟ رد عليه
الضابط وكأنه تناسى التصرف الطائش الذي قام به : قبل أن أجيبك أود أن
أسألك هل أنت على دراية كافية بالمؤسسة العسكرية الموريتانية وأحوالها
المزرية؟
أجابه السائق :أخي هذا الشخص الذي أمامك حاصل على الدكتوراه من
أعرق الجامعات برتبة شرف في الرياضيات ، وأضاف ساخرا ، لكنه لم يجد ولا
مقعدا وزاريا في حكومة الرياضيات الحالية ، ولا حتى وظيفة في الأرشيف
بإحدى الوزارات، فضلا عن أن يكون أستاذا بجامعة نواكشوط، فوجد نفسه تحت
ضغط الفاقة وشغف العيش وغلاء الأسعار، سائقا لسيارة تاكسي، لكن ذلك لم
يؤثر على ثقافته ولا حتى على اهتماماته بأخبار كافة المؤسسات الوطنية
بما فيها العسكرية ، لكن ماذا أقول لك، تذمر النخبة العلمية للمجتمع
ليس له أهمية تذكر في عالمنا اليوم ، بالمقارنة مع تذمر ضابط واحد في
المؤسسة العسكرية، الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها .
أجاب الضابط ، مادمت
مثقفا ومطلعا بما فيه الكفاية أود أن أأكد لك أن تصريحات النقيب سيد
أحمد ولد سيدها الأخيرة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار ، فأنا أعتقد أن لها
ما يبررها خاصة إذا علمنا أن خروجه عن الصمت ، الذي ليس معهودا في
مؤسستنا العسكرية ، ربما كان تحت ضغط معلومات حصل عليها أو سمعها تفيد
بأن التذمر قد لا يبقى مجرد تذمر ، وإنما قد يتحول إلى محاولة انقلابية
تعيد إلى الأذهان أحداث الثامن من يونيو 2003 ، فلا تنسى أن تلك
الأحداث أتت خاتمة لفترة ليست بالقصيرة من تذمر لبعض القادة في
الجيش..أضاف أحد الركاب معلقا ، يجب ألا ننسى أن التذمر لا يخص العسكر
لوحدهم، وإنما يعم كافة أطياف المجتمع..قاطعه آخر ما الذي تقول ؟، نحن
المدنيون ليس لنا حول ولا قوة ، فنحن أصلا لسنا مؤهلين لإسقاط الحكم لا
سلما ولا عنوة ، أما هؤلاء العسكر ، فأنا أأكد لك أن غالبيتهم العظمى
لم يدخلوا الجيش أصلا إلا ليقوموا بعملية انقلاب عسكرية توصلهم سدة
الحكم ، فعندما يصرح لك أحدهم بأنه قد يلجأ إلى الانقلاب إذا لم توفر
له ضرورياته وينعم بالرخاء والمساواة داخل ثكنته العسكرية ، فلا تستغرب
ذلك فهو يعي جيدا ما يقول ، والأيام علمتنا دوما ألا نستبعد حدوث
انقلاب حتى ولو كان على حكم ديمقراطي ، فالحالة الباكستانية لا تزال
ماثلة للعيان .
رد عليه راكب آخر : لماذا العسكر دوما عندما يغضبون على
بعضهم البعض ، يلجئون لسياسة" لي اليد التي تؤلم" ، فهم يعلمون جيدا أن
التلويح بالانقلاب مع التذكير بأحداث الثامن من يونيو، يؤلمنا كثيرا
كمدنيين، ولا نريد له أن يتكرر، ألا يمكن لهم حل مشاكلهم بعيدا عن
التهديد والوعيد ، أم أنهم يريدون لنا أن نعيش تحت رحمة الميليشيات
وأمراء الحرب ، ليتحقق لهم مبتغاهم بتقسيم المقسم وتجزئة المجزئ، فتصبح
موريتانيا التي كانت رمزا للديمقراطية في الوطن العربي ، أول دولة يعود
إليها نظام ملوك الطوائف؟ .. علق السائق على هذه الآراء قائلا :
"العسكر إذا تذمر تأمر"، فموريتانيا لم تصبح بعد محصنة ضد الانقلابات ،
رغم أنها تلقت أربعة عشر جرعة من مصل الانقلابات الفعال ، خلال مسيرتها
التي لم تتجاوز السبع والأربعين سنة ، فالشعب ظل دوما يجهل درجة
الصراع، الداخلي والخارجي، الذي ظل الوقود الذي يذكي نار الانقلابات
التي شهدتها موريتانيا طوال مسيرتها ما بعد الاستقلال ، وذلك بتنظيم من
العسكر الموريتانيين ، ودعم من الخارج ، فكلنا يتذكر جيدا يوم العاشر
من يوليو 78 الذي شهد الانقلاب الأول على مؤسس الدولة المختار ولد
داداه ، والذي جاء بناء على تذمر الجيش من الزج به في أتون حرب الصحراء
، ورغم أن الرئيس كان يعلم بالانقلاب مسبقا فلم يكن هناك بد منه ،
"فالجيش إذا تذمر تأمر" خصوصا إذا كان الحكم مدنيا ، وكانت هناك قوى
خارجية ترغب في قلب نظام الحكم ، ثم بعد ذلك في ابريل 79 قام ضباط
اليمين الشيوعي حلفاء ولد داداه ، صحبة من تذمر لاستبعاده من الانقلاب
الأول وهم العقيد أحمد سالم ولد سيدي والعقيد محمد محمود ولد لولي
والعقيد الشيخ ولد بيده ، وبرئاسة أحمد ولد بوسيف بالانقلاب الثاني في
تاريخ البلاد، وأثبت العسكر مرة أخرى أن "العسكر إذا تذمر تأمر"، إلا
أن السياسات التصفوية لولد بوسيف لم تعجب بعض العسكريين فكان حادث
تحطيم طائرته المشهور، ومما يؤكد أن الأمر أتى كردة فعل عسكرية ، تعرض
أنصاره بعيد تحطم الطائرة للإقالة الجماعية من اللجنة العسكرية للإنقاذ
الوطني وكان ذلك الانقلاب الثالث ، فكان أن لاذ ثلاثة ضباط منهم إلى
المغرب ليدبروا انقلابا من هناك ، وهو ما حصل بالفعل يوم 16 مارس 81
لكن التذمر هذه المرة لم ينتهي بالتأمر بسبب مغادرة ولد هيداله العاصمة
، وعدم إذاعة البيان رقم واحد الذي كان بمثابة الإشارة لدعم القوات
المغربية للانقلابيين وكان ذلك الانقلاب الرابع ، ثم تذمر الجيش مرة
أخرى على نظام ولد هيداله الذي انتهج التصفية من جديد ،فكان أن أعلنت
أجهزة الأمن عن اكتشاف مخطط لقلب نظام الحكم أواخر مارس 83 ، وكان ذلك
هو الانقلاب الخامس ، ثم امتلأت السجون بالناصريين والبعثيين
واليساريين الشيوعيين ، فكان انقلاب 12 دجمبر 84 ، الذي عاد ليؤكد أن"
العسكر إذا تذمر تأمر"، ثم أخيرا خلال فترة ولد الطايع ، والذي كان
انقلابه السادس في سلسلة الانقلابات المتتالية ، شهدت البلاد سبع
محاولات باءت كلها بالفشل ، كان أولها محاولة الناصريين ثم محاولتين
للزنوج ثم ثلاث محاولات لصالح ولد حننة ورفاقه ، كانت الأخيرة منهم في
8 يونيو 2003 والتي توصف بأنها كانت دامية ، ثم بدأت عدوى تذمر الجيش
تنتشر شيئا فشيئا حتى وصلت هرم المؤسسة العسكرية ، بعد أن كانت حمى
التذمر حكرا على قاعدتها ، فكان زلزال الثالث من أغسطس الذي نعيش الآن
توابعه، وهو الانقلاب الرابع عشر ، ومرة أخرى يثبت التاريخ أن "العسكر
إذا تذمر تأمر"، فهل أن التذمر الذي نعيشه اليوم لا يعدو كونه زوبعة في
فنجان ،أم أن ألأمر أكثر عمقا من ذلك ، وأننا بصدد الإرهاصات الأولى
للانقلاب الخامس عشر؟
أجابه الضابط وهو يحاول النزول من السيارة في
أقصى نقطة من تيارت : أأكد لك أن الدولة إذا لم تعالج مشاكل العسكريين
المتذمرين فإنك لا محالة ستسمع قريبا عن محاولة انقلابية ،قد لا يكتب
لها النجاح ، لكنها ستكون ردة فعل منطقية و مشروعة في نظر العسكر .. رد
عليه السائق وهو يودعه : نحن المدنيون مع إعطاء الدولة للمؤسسة
العسكرية كلما تريده من أموال ، رغم أن الدولة لا تملك تلك الأموال
أصلا ، ومع أن يقوم المسئولون العسكريون بإيصال هذه الأموال إلى
مستحقيها، لكن بالمقابل على العسكر أن يعوا جيدا أن دهر التهديد
والوعيد قد ولى ، أو على الأقل يفترض له ذلك ، وأن التلويح بالانقلاب
والخروج على الدولة الديمقراطية لم يعد مقبولا ، وليس له ما يبرره ،
فالشعب هو من يحكم وليس العسكر، صحيح أن الدولة ما زالت في بداية
تشكلها وأنها تواجه صعوبات جمة على كافة الأصعدة والمستويات وأنها
مازالت عاجزة عن حل العديد من المشاكل العالقة ، لكن من واجب كافة
مؤسسات الدولة بما فيها العسكرية الوقوف بجانبها في هذه المحنة التي
نرجوا أن تكون سحابة صيف عابرة لا تحمل معها سيولا جارفة، قد لا تملك
الدولة من الإمكانيات ما تسيطر بها عليه.