حزب
للدولة أم دولة للحزب؟
بقلم
أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
أوفى
عبدالله أوفى
في أحد المنازل الفارهة بحي تفرغ زينه ، بدأت شخصيات سياسية وقبلية
وعسكرية بارزة تتوافد الواحدة تلوى الأخرى ، فيما بدا أنه اجتماع شبه
سري لتدارس الوضعية السياسية الراهنة ،وتبادل الآراء والمقترحات حول
مختلف الملفات الشائكة ، التي تئن الدولة اليوم تحت وطأتها ، خصوصا
عملية الاستنساخ الحزبية التي تجرى في مخابر الرئاسة هذه الأيام ،
للحصول على حزب جمهوري جديد مفصل على المقاس العسكري،وبنفس الخريطة
الوراثية لحزب الدولة ما قبل الثالث من أغسطس، وما يمكن أن تثيره هذه
العملية من مخلفات ، وردود أفعال، قد تصل في بعضها إلى إصدار فتوى
شرعية تمنع هذا النوع من الاستنساخ الحزبي، لما قد يؤدي إليه من فساد
في الأرض، إذ قد ينتج عنه ميلاد كائن ديناصوري يلتهم الأخضر واليابس
ويعيد البلاد إلى السنوات العجاف التي لم تتخطاها بعد، وكيفية التعامل
مع تلك الفتوى إذا ما استصدرت ، ثم تدارس الردود السلبية لمختلف
التشكيلات الحزبية الرافضة لتكوين حزب للدولة ، بالإضافة إلى وضع
اللمسات الأخيرة للتشكيلة الحزبية التي أفرزتها المشاورات المكثفة التي
أعلن عنها في الأسابيع الماضية بالرعاية السامية من رئاسة الجمهورية.
داخل الصالون الفاره بدأت التشكيلات الفسيفسائية لمختلف مكونات الشعب
الموريتاني تتمايز وتتكشف وكأننا أمام مؤتمر دولي لمحاربة الإرهاب حيث
لا تعذر دولة في التغيب عنه ، كان من التشكيلات التي حضرت الاجتماع :
ممثلين من الرئاسة وكتلة الزعامات القبلية وكتلة المستقلين وطائفة من
المعارضة التي بدت متخفية في زي حكومي وكتلة الموالاة والمجتمع المدني
و ممثلين عن كافة الأحزاب السياسية وبرعاية خاصة وتمويل من المؤسسة
العسكرية ، هكذا بدا الاجتماع وكأن العنوان الرئيس له : موريتانيا
تتحول إلى حزب.
بدأ الاجتماع ببيان رئاسي جاء فيه :"نظرا لضرورة وجود أغلبية مطلقة
مريحة يتمكن الرئيس من خلالها تنفيذ برنامجه الانتخابي ، ولكي يحظى
بدعم البرلمان ألا مشروط لكل القوانين المعروضة عليه ، ونظرا إلى أن
الحكومة ينقصها الإطار الحزبي الذي يساعدها في التعيينات ، ويمكنها من
تجاوز المشاكل المتزايدة التي تعترضها، ويحشد لها الدعم القبلي ، ويضع
الإمبراطورية الإعلامية الوطنية بكافة أطيافها ،وخاصة الصحافة الحرة
منها، والتي يبدوا أنها أصبحت في الآونة الأخيرة أكثر إزعاجا من ذي
قبل، تحت السيطرة الحزبية ليتم إخراسها ، ونظرا لعدة أمور أخرى ،فإن
حزب الدولة أصبح ضرورة تمليها مقتضيات المرحلة ولعبة لا غنى للساسة
عنها ، وندعوا الجميع للانخراط فيه"،
بعد ذلك تناول
الكلام أحد زعماء الأحزاب الكرتونية ، وكأنه استعاد اللحظات الجميلة
التي لا تنسى ، أيام الزمن الجميل ، زمن الزيارات الكرنفالية ، حيث
الخطب والأشعار والموسيقى فتحدث بانفعال وحماس : نعم لحزب الدولة نعم
لدولة الحزب ..ثم استطرد قائلا : ما يثير استغرابي ودهشتي كيف لم يتم
حتى الآن استصدار قانون يسمح بممارسة السياسة لكافة أعضاء المجلس
العسكري على غرار قانون محاربة الرق ، أليسوا موريتانيين لهم حق
الانخراط في الأحزاب بل ورئاستها ؟ .. اللهم فأشهد أني بريء من حزب لا
عسكر فيه . صفق الجميع له وكأنهم يشاطرونه الرأي في ضرورة إشراك العسكر
في العملية السياسية ، ثم تقدم أحد الزعماء القبليين حتى وصل منصة
الخطابة فقال : نحن هؤلاء لم يأتي تزعمنا لقبائلنا من فراغ فنحن أهل
الحل والعقد والمشورة وأي عملية سياسية لا نشرك فيها لا يمكن استمرارها
في هذا البلد الذي ليس سوى قبيلة كبيرة ، وسبب المشاكل التي تعيشها
موريتانيا اليوم تتلخص حسب وجهة نظري في تغييب الزعامات القبلية عن
دائرة صنع القرار .. ثم ختم كلامه : نعلن دعمنا لحزب الدولة ودولة
الحزب من أجل موريتانيا حرة ومستقلة، تكلم رئيس وفد "المعارضة
الحكومية" فأثنى على فكرة تكوين الحزب ، وأكد أن المعارضة تدعم دوما كل
ما من شأنه خدمة الوطن وبناء المؤسسات في ظل دولة القانون
إلا أن المعارضة
لها وجهة نظر خاصة فيما يتعلق بإنشاء حزب الدولة ، حيث ترى أنه الملاذ
الوحيد لمئات الكوادر التي تسعى إلى التعيين من مختلف الأطياف السياسية
، فهو ليس سوى واجهة أمامية لمستشارية للتعيين الحكومي ، يعهد إليها
مجلس الوزراء بكافة الصلاحيات المتعلقة باقتراح الأشخاص والوظائف
المناسبة لهم ، وذلك طبعا حسب الدعم المقدم للحزب والتفاني في خدمته ،
وفي هذه الحالة ، فإن كل الأحزاب الأخرى ستشهد هجرة الكوادر السياسية
عنها وبالتالي سيكون حزب الدولة هو الحزب الوحيد الذي يمتلك الكادر
السياسي والغطاء المادي ـ علما أن الأحزاب لم تحصل بعد على الوعود
الحكومية بالتمويل ـ وستبقى الأحزاب الأخرى مجرد قطع ديكور تزين بها
عملية الانفتاح السياسي والعدالة والديمقراطية والمجتمع المدني ,,
وبالتالي فإن المعارضة تقترح حلا من اثنين : إما عدم السماح لأي إطار
كان منتسبا لحزب ما بالانتساب لحزب الدولة ، وإما تقسيم المناصب
الحزبية بالتساوي على الوافدين الجدد من كل الأحزاب على أن تحصل
المعارضة على حصة الأسد منها.. قاطعه المتحدث باسم المستقلين : أية
معارضة هذه ؟ حقا أن موريتانيا بلد العجائب والغرائب ، معارضة تبحث عن
مناصب في الحكومة عن طريق حزب الموالاة يا للسخرية ، يجب على المعارضة
أن تعي جيدا الدور المنوط بها من خدمة هذا الوطن بفضح تصرفات النظام
الذي لا يجب أن تكون منضوية تحت لوائه حتى لو أعطيت قصرا للمعارضة
وصندوقا أسود تنفق منه كيف تشاء دون رقيب ، وإلا كانت تلك الحوافز كلها
مجرد رشوة تأخذها المعارضة عن قصد منها أو عن غير قصد ليتم تغاضيها عن
أفعال النظام وزمرته.
بدأت الأصوات ترتفع والاتهامات المتبادلة بين الفرقاء السياسيين تغلب
على منطق التشاور والتفاهم داخل صالون الاجتماع ، كان لزاما على أحد
العسكريين التدخل لنزع فتيل الأزمة التي باتت تنذر بعدم التوصل لاتفاق
حول الحزب المنشود وبالتالي وأد مشروع الحزب في مهده ، وبالفعل تدخل
العسكر لبسط السيطرة وحفظ النظام، وهدأت الأصوات ، فلا تسمع إلا همسا ،
عندها استؤنف الاجتماع ،وطلب الكلام أحد ممثلي المجتمع المدني ، فقال :
هل نسيتم الانتخابات الرئاسية الماضية ، حيث كانت كل مكونات الشعب
الموريتاني لا تسأل إلا عن مرشح الدولة لتدعمه وتصوت له ، ولولا أنه تم
تسريب معلومات مفادها انقسام المجلس العسكري حول المرشحين للدور الثاني
لما كانت النتائج على الشكل الذي خرجت به ، ثم أنتم هؤلاء ماذا تريدون
بالضبط ؟ هل تريدون حزبا للموالاة أم حزبا لموريتانيا كلها ؟، ما يعكسه
هذا الاجتماع هو أننا بصدد تشكيل حزب يحتوي كافة أطياف الشعب
الموريتاني وليس للأغلبية الرئاسية ، الشيء الذي سيعيد إلى الأذهان
دولة الحزب الواحد ، وهذا بالطبع ما لا يرغب أحد فيه ، أما إذا كنتم
تريدون تشكيل حزب للأغلبية ، فأرجوا أن يتم انسحاب من ليسوا معنيين
بالأمر في هذا الاجتماع ، عاد اللغط من جديد..تدخل أحد المعترضين محتجا
: هذا ليس زمن التهميش والإقصاء ، الحزب ليس لك ولا لأبيك ، تدخل
العسكر ثانية للسيطرة على الوضع ، طلب الكلام أحد المنظرين السياسيين ،
فقال : أنا أعتقد أنه بخصوص غالبية الشعب الموريتاني تنتهج دائما مبدأ
"لا تعادي منصورا فتخذل" ولن تكون إلا مع حزب الدولة ومرشحيه في
الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية القادمة ، وسيسيطر الحزب على
كل هذه الانتخابات ، فأقترح أن تشرعوا من الآن في الاتفاق على مرشح
الرئاسة ، بعد ذلك يسهل كل شيء ، أما بخصوص البرلمان فأقترح بعد تشكيل
الحزب أن يتم حله ويرشح الحزب من يشاء ، فكلي ثقة من أنه سيفوز بنسبة
لا تقل عن تسعين في المائة، وفي الأخير أعلن مساندتنا ألا مشروطة لحزب
الدولة ودولة الحزب.
بعد ذلك بقليل علق الاجتماع لتناول العشاء وإجراء بعض المشاورات ،
لتستأنف الجلسة ببيان ختامي تلاه مبعوث الرئاسة جاء فيه : لقد تقرر بعد
مشاورات مكثفة ، وبعد الاستماع لكافة الآراء النيرة والمقترحات الجادة
إنشاء حزب للدولة على غرار الدول العربية الأخرى على أن يكون حزبا
للأغلبية تشرك فيه كافة الفعاليات السياسية الراغبة في الانضمام إليه
مهما كانت توجهاتها، وعلى أن نعمل على إطفاء لهيب الفتاوى الشرعية التي
قد تستصدر لمنع عملية الاستنساخ هذه ، وكذلك كل التصريحات التي تعارض
ميلاد الحزب مهما كان مصدرها ، أما فيما يخص التنظيم الداخلي للحزب
ومعايير الانتساب إليه وأهدافه المستقبلية ، وهياكله التنظيمية ورئاسته
وتمويله ، فكلها أمور لا يعلمها إلا الله والراسخون في الحزب ، ولا
ينبغي لغيرهم أن يعلمها ، ولا يجوز لأحد أن يسأل عنها ، وفقنا الله لما
يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.