شروط
المصالحة السياسية في موريتانيا،بقلم
محمد السالك ولد إبراهيم
محمد
السالك ابراهيم
مرة
أخرى، يتضح جزء من التحديات اللامتناهية التي تواجهها مشاريع التحول
الديمقراطي في بلدان العالم النامي. ولعل من أغرب تلك التجارب وأجدرها
بالدراسة والتتبع - ضمن السياق العربي الإفريقي- مشهد التجربة
الديمقراطية الموريتانية، الذي يمكن اختصاره في مغامرة تشييد صرح
ديمقراطي فوق رمال الصحراء المتحركة. إنه حقا مفترق طرق حاسم بالنسبة
لموريتانيا. هذه هي المرحلة "الانتقالية الفعلية" التي يجب أن يحرص كل
الشركاء في السلطة الحاكمة كما في المعارضة على عبورها معا، ليصلوا
بالبلد إلى تحقيق السلم الاجتماعي والاقتصادي والاستقرار السياسي.
عندها فقط، يمكن ترميم السفينة وتصحيح الأخطاء واستكمال النواقص.
وينبغي ن يدرك الجميع بأنها مسؤولية وطنية لا يمكن أن تتساهل الحكومة
ولا المعارضة - خصوصا ضمن هذه المرحلة الحرجة والحاسمة – في حسن
تقديرها. فإما أن تختار الأطراف التي تساهم في تشكيل
"البراديغم"paradigme أو النظام السياسي الجديد-القديم سواء في السلطة
أو المعارضة- الاستمرار في مناورات تكتيكية لكسب بعض النقاط ضمن "الوقت
بدل الضائع" في لعبة التجاذب والصراع "المستطير" على السلطة وتقاسم
الإمتيازات والمنافع، قد تصمد لبعض الوقت... وإما أن يقرروا معا -
بجرأة وحكمة- الدخول في خيارات استراتيجية إصلاحية شاملة، تعيد بناء
جسور الثقة وتضمن للبلاد استقرارها السياسي وتنميتها الاقتصادية
والاجتماعية المتوازنة وتخفف من المعاناة اليومية للمواطنين من مختلف
الطبقات والبيئات الحضرية والريفية، بما يسهم في نزع فتيل الطابع
الصراعي للعلاقات المجتمعية والاقتصادية ويعيد ضبط وتوجيه "عنفها" نحو
مجال التنافس السلمي والمدني الايجابي. فهل ستستطيع تلك الأطراف أن
تحول "فوزها الانتخابي" بأصوات الموريتانيين والموريتانيات إلى شيء
أكبر من ذلك.. أي إلى نجاح سياسي حقيقي برسم البلد ومصالحه العليا؟ ثم
تحول ذلك النجاح السياسي إلى قرابين للوطن خدمة للديمقراطية والتنمية
المستدامة وازدهار الشعب؟! أم هل ستدخل الديمقراطية الموريتانية- في ظل
ديناميكية التجاذبات الجارية وتداعياتها المحتملة- مرحلة من الارتداد
والنكوص ربما تؤدي إلى تراجع وتقهقر التجربة نفسها في مناخ الصحراء
المعروف بتقلباته المفاجئة؟ وهل حقا يتوقع نجاح تجربة ديمقراطية بدون
ديمقراطيين؟ ضمن هذا السياق المتميز، تقترح هذه الورقة بعض الأفكار
إسهاما في بلورة ملامح مشروع خارطة طريق للمصالحة بين السلطة والمعارضة
تستند إلى ثلاثة مبادئ أساسية هي الواقعية والمرحلية والتشاركية. وهي
تهدف إلى تشكيل صمام أمان احتياطي لإنجاح تجربة التحول الديمقراطي
الجاري وتطوير أدائها من جهة، وتسهيل القيام بالمهام والالتزامات
الوطنية لكل من الطرفين المعنيين اتجاه البلاد ومصالحها العليا وخدمة
الشعب الموريتاني الذي كان قد انحاز منذ البداية - بكل تحمس وحكمة-
لصالح التحول الديمقراطي، حيث منح أصواته لكل من
السلطة والمعارضة عبر
الاستحقاقات الانتخابية المختلفة في البلديات والشيوخ والنواب
والرئاسيات.
الديمقراطية ولعبة التجاذبات:
لقد ظلت الوضعية المتضاربة لرصيد التجاذبات والصراعات المجتمعية
والسياسية والثقافية والاقتصادية "القديمة- الجديدة"، المتشابكة داخل
الساحة الموريتانية، تمثل تركة ثقيلة ورصيدا مضطربا يطرح نفسه باستفزاز
على كل نظام حكم جديد يصل إلى السلطة. سواء وصل إليها عن طريق الديمقراطية
أو عبر غيرها من الوسائل. وهو ما أغرى دائما أنظمة الحكم المتعاقبة بمحاولة
السيطرة والتحكم في تدفق "التيار العارم" لتلك التجاذبات والصراعات
واستغلالها سياسيا - بعد تدجينها- في عملية توطيد سلطتها المستبدة.
وكان انزلاق مسار ممارسة الحكم نحو تلك "العتبة" قد بدأ في مرحلة مبكرة
إبان الاستقلال، من خلال ترسيخ "السلطة الرئاسية" - باعتبارها "قاطرة"
تسحب خلفها بقية المنظومة- عبر عملية مزدوجة مؤسساتية من جهة وسياسية
من جهة ثانية. إلا أن تكريس تلك الظاهرة بصورة مطلقة لم يتم إلا بعد
دخول البلاد في حلقات "تسونامي" الانقلابات العسكرية منذ 1978. تلك
"اللعبة" التي دشنت ظاهرة احتكار "العنف العمومي للدولة" كوسيلة للوصول
إلى السلطة والتمسك بها تحت أي ذريعة. وهكذا أصبحت المؤسسة
العسكرية/الأمنية بمثابة "سلطة للتنظيم" غير رسمية تضطلع بدور حاسم في
إدارة و"تسيير" المشهد السياسي الوطني، بدل أن تكون مؤسسة "جمهورية"
لها ما لها وعليها ما عليها بموجب القانون ولا يمكن أن تكون- بأي حال
من الأحوال- فوق الجمهورية أو في مواجهة معها؟
لقد أدى التخلي عن الدستور "البرلماني" لسنة 1959 لصالح دستور مستوحى
من "النظام الرئاسي الفرنسي" سنة 1961، ثم تكريس "أحادية حزب الدولة"
محل التعددية الحزبية الناشئة آنذاك - بعد صهر الأحزاب التي كانت قائمة
في "حزب الشعب الموريتاني" الذي أضحى "حزبا واحدا" بله وحيدا- وكذا
تداعيات الانقلاب العسكري في الـ 10 من يوليو 1978، إلى الإجهاز على ما
تبقي من "الوعي الوطني المدني" الطامح إلى التحول السياسي ذي الطابع
السلمي والديمقراطي. كما تكرس ذلك "التقليد السلطوي" ذي الخلفية
العسكرية - الظاهرة أو المبطنة- إلى "واقع مؤبد" في أسلوب الحكم، جرى و
يجري التنظير له وترويجه تحت مسميات أخرى متعددة ومتحذلقة، دأبت كل
أنظمة الحكم المتعاقبة على إخفائها تحت أقنعة مستعارة: ابتداء من حزب
الشعب ومرورا بهياكل تهذيب الجماهير والحزب الجمهوري ومستلقي المرحلة
الانتقالية وانتهاء بمشروع حزب السلطة الجاري تأسيسه حاليا.
وهكذا على مدى عشرات السنين، ظلت أنظمة الحكم الاستبدادي -المدعومة
غالبا من طرف قوى خارجية غربية أو إقليمية - تراوغ مع الشعب في هذا
البلد لإحكام هيمنتها على مقدراته والتحكم في مستقبله، متذرعة بحجة
ترتيب وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية في مجال الإصلاح والتنمية من
خلال المقايضة بين الحقوق الاجتماعية والحريات السياسية. فتارة تضحي
بالديمقراطية مراهنة على تنفيذ بعض السياسات في الحقل التنموي، غالبا
ما تكون مبتورة التصور وباهتة النتائج على الأرض وتارة أخرى، تضحي
بالتنمية ومتطلباتها تحت ذريعة استنبات ورعاية التجربة الديمقراطية
الوافدة. وغالبا ما تضحي تلك الأنظمة بالديمقراطية وبالتنمية معا
لاعتبارات أمنية "بحتة" تتخذ من ضمان "الاستقرار" وحفظ "السلم
الاجتماعي" شعارات، قد تكون حقيقية أو وهمية، تتجدد عبثيا في كل مرة أو
تختلق اختلاقا إذا اقتضى الأمر، لتكريس الأوضاع القائمة وإعادة إنتاج
النظام الاستبدادي القديم-الجديد وتأجيل "أجندة التغيير" المطلوب من
طرف أغلبية الشعب وقواه الوطنية الجادة.
أما اليوم، فإن موريتانيا "ما بعد" المرحلة الانتقالية الأولى (3 أغشت
2005 - 19 ابريل 2007) مدعوة – أكثر من أي وقت مضى- للتصالح مع ذاتها
قصد وضع تصور مبدع لتشكيل نظام سياسي أو "براديغم" paradigmeمختلف يكون
قادرا على الاضطلاع بالمهام المرحلية الجسيمة.
وعلى ضوء نتائج مسلسل الانتخابات الماضية في بلادنا والتغييرات
السياسية التي تمخضت عنها بالنسبة لميزان القوة بين كل من السلطة
والمعارضة من جهة، وما تمثله الإرادة السياسية للنظام الجديد نحو
التغيير، من آمال عريضة من جهة أخرى، عكست بشكل واضح مستوى التعهد
العمومي للسلطات الجديدة المنتخبة، التي أصبحت منذ الآن مسؤولة أخلاقيا
وسياسيا عن تحقيق نتائج ملزمة، تتناسب كما وكيفا مع أهداف ومضامين
السياسة العامة التي اقترحتها على الموريتانيين والتي تضمنتها وثائق
رسمية مثل (1) رسالة التكليف من طرف رئيس الجمهورية لتفويض الوزير
الأول بالقيام على أحسن وجه بالإصلاحات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية الضرورية للبلاد و(2) السياسة العامة للحكومة التي عرضها
الوزير الأول أمام البرلمان و(3) خطاب رئيس الدولة حول حق العودةِ
الكريمة للاجئين في السنغال وتسويةِ ملفِّ المطالباتِ الإنسانية
واستئصالِ رواسبِ العبودية.
وإذا كان صحيحا، من الناحية النظرية، أن من مزايا الديمقراطية أن يكون
الفقراء ملوكا لكونهم الأكثر عددا، وأن إرادة العدد الأكبر من الناس
لها قوة القانون كما يعتقد آرسطو في كتابه "في السياسة""De la
politique" ، فهل سيستطيع فقراء موريتانيا – وهم بلا شك يمثلون
الأغلبية الصامتة التي صوتت لمن نجحوا من السلطة ومن المعارضة- أن
يستفيدوا من هذه المزية لتغيير واقعهم المعيشي المزري وتحسين ظروف
حياتهم البائسة. أم هل ستبقى البلاد - كما ظلت دوما - جزء من "منطقة
الاستعصاء" على الديمقراطية الممتدة من انواكشوط غربا إلى جاكارتا
شرقا؟ وهل سيظل إدراك اللحظة الديمقراطية في بلادنا مجرد نوع من الوعي
الشقي المترنح بين نوازع الاحتفاظ بالسلطة من جهة والتكيف - من جهة
ثانية - مع ضرورات التغيير والإصلاح ضمن سياقات محلية، إقليمية ودولية
يستعصي استقراء ملامحها أو التكهن باتجاهاتها؟ وهل سيتغير الجوهر
الاستبدادي لنظام الحكم في هذا البلد؟ أم سيظل الاهتمام بالديمقراطية
من طرف مختلف الفاعلين مجرد معطى متغير الأهداف والأبعاد والقيمة؟
نحو خارطة طريق للمصالحة:
تتنزل هذه المبادرة في سياق أوسع هو مواكبة و تعزيز التوجهات الوطنية
الحالية نحو الإصلاح الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي وتأكيد
خيارات التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة والسعي لتأمين هذه
الخيارات من خلال بلورة منهج معرفي جديد في مقاربة مقولة
الإصلاح/التغيير بأدوات علمية تساعد صناع القرار على تأسيس عملية وضع
السياسات التنموية واتخاذ القرارات على ركائز متينة من المعرفة بالواقع
واستشراف المستقبل. كما أنها تمثل دعوة صادقة لبناء جسور حقيقية وجادة
للحوار الديمقراطي بين مختلف الفاعلين السياسيين في الساحة وخارجها
وتبني مبادرة إعادة بناء خطاب سياسي وطني عصري يتعالى على الثنائية
الكلاسيكية لـ "السلطة والمعارضة" ويقوم على أسس جديدة تستند إلى أربع
مقولات هي: (1) مصلحة و(2) أمن و(3) استقرار و(4) تنمية الجمهورية
الإسلامية الموريتانية.
إنها مبادرة تتوخى قيام منهج تحليلي موضوعي لبناء مقاربة جديدة لفهم و
معالجة الحالة السياسية الراهنة للبلاد وما تتسم به من تجاذبات مختلفة
وتفاعلات جارية على مختلف الأصعدة وكذا الحالة الاقتصادية والاجتماعية
وما يطبعها من مصاعب اقتصادية و معوقات تنموية تنعكس آثارها بحدة على
الواقع المعيشي والحياة اليومية للمواطنين مشكلة - بذلك- عامل ضغط
إضافي يهدد استقرار البلاد على المستويين السياسي والأمني. كما تهدف
المبادرة - من جهة أخرى- إلى "تعميق معرفة" الفاعلين في السلطة
والمعارضة وكذا الرأي العام الوطني بحقيقة الفرص المتاحة و
السيناريوهات المستقبلية الممكنة و الخيارات البديلة فيما يتعلق بموضوع
"تغيير الواقع الموريتاني". وبالتالي، دعوة كلا الطرفين (السلطة
والمعارضة) لوضع آليات للتفكير ولدراسة ومناقشة وترشيد المفاضلة فيما
بين تلك البدائل على أساس تقدير مدروس للتكاليف الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية والثقافية لكل منها على حدة بما يضمن ترشيد عملية اتخاذ
القرارات في مجال السياسات العمومية بشكل كلي ومفصل خدمة للصالح العام.
كما يمكن اقتصار تطبيق هذه المقاربة - في مرحلة تجريبية - على الأقل،
من خلال إخضاع بعض القضايا الجزئية لها. ونعني هنا، تلك القضايا التي
تثير وتغذي الجدل المتنامي حاليا بين السلطة والمعارضة مثل: ملف
المبعدين، ملف المسفرين، ملف تصفية العبودية، ملف الإصلاح المؤسسي
المدني و العسكري، ملف إصلاح المؤسسات الوطنية والشركات (اسنيم، الخطوط
الجوية الموريتانية، الموانئ، الشركة الوطنية للغاز، إلخ....)، ملف حزب
السلطة، ملف التشغيل (خاصة بطالة أصحاب الشهادات والبطالة المقنعة)،
ملف السياسة الخارجية، خاصة العلاقات مع إسرائيل ومنظمة المجموعة
الاقتصادية لدول إفريقيا الغربية (CEDEAO)، ملف قيادة AFRICOM، ملف
المخدرات، ملف السلفية، ملف الإرهاب، إلخ...، على أن تتجه المقاربة
الجديدة نحو تشجيع التفكير الايجابي وعزل الخلافات وتوضيح مصادرها لدى
الطرفين بأسلوب علمي، وكذا تلمس اقتراحات وحلول مناسبة قد تشكل أرضية
مشتركة فيما بينهما لبلورة رؤية وطنية تصالحية بين السلطة والمعارضة
تمثل قاعدة مرجعية وتكون قابلة للتطبيق العملي، على أن تم تبنيها
والترويج لها من كلا الطرفين لدى الرأي العام بعد أن يتم الاتفاق
عليها.
وتقوم خارطة الطريق التصالحية هذه على محاولة استثمار وتوظيف عقلاني
لثلاث أفكار محورية تتسم بنوع من الإجماع حولها في المشهد الموريتاني
حاليا، وهي:
أن التناوب السلمي على السلطة و إصلاح الشؤون العامة و تغيير الواقع
نحو الأفضل هي مطالب ضرورية، وإذا ما أريد لها النجاح والاستدامة،
فينبغي أن تتم حصريا من الداخل؛
أن المجتمع المدني (بما في ذلك الأحزاب السياسية و هيآت المنتخبين
والنقابات والصحافة الحرة والمنظمات غير الحكومية، إلخ...) شريك فعال
في تحقيق الأهداف الإستراتيجية للإصلاح والتغيير والمتمثلة حاليا في
(1) إنجاح التحول نحو الديمقراطية و(2) تحقيق التنمية المستدامة و(3)
تأمين المستقبل. والمجتمع المدني بهذا المعنى ليس خصما أو بديلا عن
الدولة ومؤسساتها الحكومية بل هو جزء من الدولة وشريك فعال للحكومة؛
أن الطريق الأمثل والأكثر أمانا نحو الإصلاح والتغيير يقتضي التركيز
على بناء السياسات والبرامج التنموية العمومية على أساس متين من
المعطيات العلمية الموضوعية المتأتية من ثمار البحث العلمي الرصين بدلا
من الاعتماد على مصادر أخرى مشوشة -غالبا- بالخصومات
"السياسوية"chicanes politiciennes وبصراعات المصالح conflits
d’intérêts وأشكال المضاربات spéculations المغرضة.
وانطلاقا من وعي عميق بجدلية الترابط بين هذه الأفكار الأساسية الثلاث،
يرمي مشروع خارطة الطريق هذه الى تشجيع الطرفين في السلطة والمعارضة
ونخبهما الفكرية والمهنية والسياسية - كل حسب مجال تخصصه وخبرته-
للمساهمة في مناقشة ودراسة ومقارنة ونقد وتصحيح ومفاضلة المعطيات
المتعلقة بالسيناريوهات التالية حول تصور شكل معين لمستقبل البلاد يكون
مرغوبا فيه ومتفقا عليه:
- السيناريو المرجعي: وهو يمثل الامتداد المنطقي للتطورات الراهنة،
وذلك فيما لو استمر النمط الحالي لردود فعل السلطة الحاكمة والمعارضة
والفاعلين الاجتماعيين الآخرين تجاه التغيرات المحلية والإقليمية
والعالمية.
- السيناريو الشعبي: وهو يمثل التصور المتولد عن استطلاع رؤى الشارع
والقوى الاجتماعية والتشكيلات السياسية القائمة للمستقبل المرغوب فيه
من طرفهم، وذلك بغض النظر عن مدى تكامل أو اتساق هذا التصور.
- السيناريو الوسيط: وهو يمثل مسار المجتمع الموريتاني حتى عام 2020
فيما لو طرأت تعديلات إصلاحية غير جذرية على مجموعة السياسات المطبقة
حالياً، وفيما لو حدثت بعض التعديلات غير الجوهرية في تركيبة القوى
الفاعلة في المجتمع.
- السيناريو الابتكارى: وهو يصور المسار الذي يمكن أن يسلكه المجتمع
حتى عام 2020، وذلك فيما لو أطلقت طاقات الإبداع والابتكار الكامنة في
المجتمع من خلال تغيير جوهري في التركيبة الطبقية وتسيير الموارد
البشرية، وفي توزيع السلطة والثروة في المجتمع، وفي نسق القيم السائدة
حالياً، وفي مستويات التعليم والتكوين وتوطين التكنولوجيا في بلادنا،
ومن ثم حصول تغيير جوهري في وضع و تنفيذ السياسات التنموية لإستغلال
المصادر الطبيعية وإدخال الترتيبات الإصلاحية المؤسسية المدنية
والعسكرية، وتغيير نمط تصور وإقامة وتسيير العلاقات الإقليمية والدولية
لموريتانيا.
وبعد مرور سنة كاملة من العمل في دراسة ومناقشة الملفات و المواضيع
المحددة في جدول الأعمال المتفق عليه و هو غير حصري في النماذج
المذكورة أعلاه، والتحاور حولها في اجتماعات الفرق التفكيرية المشتركة
بين كل من السلطة والمعارضة وكذا النقاش داخل الندوات وورش العمل وبعد
إجراء مراجعة نتائج السيناريوهات وإدخال التعديلات عليها، يتم وضع
الملامح الأكثر تفصيلاً بشكل قابل للتعديل والتطوير - لكل سيناريو،
لاسيما شروطه الابتدائية التى يمكن على أساسها استكمال العمل في
استخراج مسار لكل سيناريو وما يبرزه من صور مستقبلية للمجتمع
الموريتاني على المدى المتوسط (2020 م).
ومن أجل تسهيل هذه العملية وتقريبها منهجيا نقترح جدلا أن يتم الاتفاق
على أن تكون نقطة الانطلاق في تحديد السيناريوهات هي القراءة الجيدة
لخريطة القوى الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية في موريتانيا و آفاق
ديناميكيتها المستقبلية. ثم يجري تحديد القوى الرئيسية التى تملك رؤية
أو مشروعات واضحة نسبياً للتغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بما
في ذلك القوى الممثلة حاليا في السلطة وكذا الخطط والمشروعات الحكومية
التى تمتد حالياً حتى عام 2015 كالإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر،
بالإضافة إلى رؤية أو مشروعات القوى الممثلة حاليا في المعارضة، نقترح
خمسة مشاريع سيناريوهات نقدمها بإيجاز فيما يلي:
- السيناريو الأول: هو "السيناريو المرجعي" الذي يعبر عما قد تؤول إليه
الأوضاع على امتداد الـ 12 سنة القادمة، إذا ما استمر المنطق الحالي في
التعامل بانفتاح وتبصر وعقلانية مع مشكلات موريتانيا، وليس بالضرورة
استمرار نفس الحكام أو نفس السياسات التفصيلية. إنه سيناريو "الدولة
الديمقراطية".
- السيناريو الثاني: يطرح رؤية القوى المجتمعية والسياسية التى ترى أن
المستقبل الأفضل لموريتانيا إنما يبدأ بقيام نظام حكم إسلامي، يترجم
أحكام الكتاب والسنة إلى سياسات داخلية للتنمية وضوابط في التعامل مع
الآخر، بما يحفظ للبلاد هويتها الإسلامية المتميزة ويضمن للمواطنين
السعادة في الدارين. إنه سيناريو "الدولة الإسلامية".
- السيناريو الثالث: يطرح رؤية الجماعات ذات التوجه الرأسمالي
الليبرالي، التى ترى أن مستقبل موريتانيا والسبيل لبقائها على خريطة
العالم – وسط التنافس الدولي الحاد – يكمن في إتباع نظام رأسمالي أكثر
رشداً وعقلانية وانتفاعاً بالعلم من الرأسمالية المشوهة القائمة حالياً
(في رأيهم). إنه سيناريو "الرأسمالية الجديدة".
- السيناريو الرابع: يطرح رؤية الجماعات ذات التوجه الاشتراكي، التى
تعتقد أن الاشتراكية لم تنته بسقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة
الاشتراكية في شرق أوروبا، وأن الاشتراكية قابلة للنجاح إذا ما تمت
الاستفادة من الدروس والعبر التى حفلت بها التجارب السابقة للتطبيق
الاشتراكي في العالم كله وكذا تلك الجديدة مثل "التشافيزية". وهو ما
يبرز ضرورة الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية ورفض المقايضة بين
الحقوق الاجتماعية والحريات السياسية. إنه سيناريو "الاشتراكية
الجديدة".
- السيناريو الخامس: وهو يعبر عن وجهة نظر مجموعة قوى مختلفة داخل
المجتمع الموريتاني، ترى أن السبيل الأفضل للتقدم والازدهار هو تحقيق
التوافق الوطني والتراضي على حل وسط، يوفق بين رغبات الأطراف المختلفة
للعمل الوطني. إنه سيناريو "الوفاق الوطني".
هذه هي السيناريوهات الخمسة التى نقترح أن تشكل مسودة "وثيقة وطنية"
بين السلطة والمعارضة بهدف وضع مشروع خارطة طريق للمصالحة بين الطرفين
تكون بمثابة "جواز سفر" للعبور نحو الأمان والأمام، نطرحها هنا – من
موقع الشعور بالمسؤولية الوطنية التاريخية بكل تجرد – على كلا الطرفين
للتأمل فيها ودراستها وتقييمها و المفاضلة في ما بينها موضوعيا من حيث
الأهداف والمناهج والنتائج والآثار المترتبة عليها في منحنى زمني متوسط
حدوده 2020.
كما أننا نلفت انتباه كل من الطرفين (السلطة والمعارضة) إلى أنه
بالإمكان طرح منطلقات أخرى بديلة في اختيار السيناريوهات، حسب ما قد
يتم عليه التراضي بين الطرفين. وبالطبع، فإن اختيارنا هذا هو مجرد مثال
للتقريب ولا يغلق باب الاجتهاد أمام تجربة سيناريوهات أخرى مختلفة أو
إضافة سيناريوهات جديدة إلى اللائحة الحالية، فلا شك أن تعدد الدراسات
المستقبلية وتنوع معايير اختيارها هو أمر مستحب لما فيه من إثراء
لمعارفنا جميعا بشأن مستقبل بلادنا، وما ينطوي عليه من (1) نقاط قوة
و(2) نقاط ضعف و(3) فرص و(4) مخاطر.
كما نذكر مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين والمهنيين في موريتانيا
- سواء في السلطة أو المعارضة- بأن الطريق نحو تحقيق الديموقراطية
والتنمية المستدامة والاستقرار في بلادنا ما يزال طويلا وصعبا. وهو
يتطلب من كل طرف على حدة المزيد من العمل الجاد والمبدع وكذا المثابرة
والتضحية والانضباط والقدرة على ممارسة النقد الذاتي والمراجعة
المستمرة والانفتاح، بغية الإسهام الفعال في مسيرة الإصلاح والعصرنة
والتنمية الشاملة والمتوازنة وتسهيل التحول الديمقراطي وتعزيز قيم
المواطنة وتفعيل دور المجتمع المدني بمختلف مكوناته.
طبعا، ليس من السهل العثور على الطريق السليم في مجال السياسة والحكم
وتسيير الشأن العام. وإذا كانت طريقة المحاولة والخطأ ربما تكون مكلفة
من حيث الجهد والوقت والتكلفة، فإن مما لا جدال فيه، أن هذه المجالات
تعتبر بالغة الحساسية ولا يمكن أن تنسجم مع الارتجال والتذبذب ولا مع
التهور و"الكلبية" cynisme. وفرحة الشعب الموريتاني بنجاح انطلاقة
تجربته الديمقراطية، على مدار الأشهر القليلة الماضية، لم تغيب عن
الأذهان حقيقة أن أغلبية الموريتانيين- بغض النظر عن انتماءاتهم
السياسية والحزبية- سيظلون قلقين جديا على مصير "ديمقراطيتهم" على أيدي
سلطة ومعارضة يفترض أن تجربة الديمقراطية تحسب لهما بدل أن يحاسبان على
التفريط فيها، إلى أن يتم العبور إلى بر الأمان.
*
محمد السالك ولد ابراهيم، باحث، المركز
الموريتاني لأبحاث التنمية والمستقبل، مسهل مؤقت لمشروع الدراسة
المستقبلية "رؤية موريتانيا 2020"، انواكشوط. msaleck02@yahoo.fr