الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة    محللون موريتانيون : خطاب الجنرال عزيز يوحي برغبته في البقاء في السلطة  -الحدث-   صالح ولد حننا يعلن استعداد حزبه للمشاركة في الحكومة -الحدث- وفد برلماني أوربي يزور موريتانيا  -الحدث- مجلة فرنسية : آير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز -الحدث-   مصادر موريتانية : ساعة رحيل ولد الشيخ عبد الله أزفت -الحدث- جون أفريك : "لا أحد يعتقد أن ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا" -الحدث- كلمة "الحدث" : حقائق يجب أن تعرف -الحدث- زعيم المعارضة الموريتانية : حري بالرئيس سيدي أن يستقيل  -الحدث- ولد حننا ينتقد تشكيل "حكومة المتناقضات" في موريتانيا

 

Free Syria :::: سورية الحرة

 


موريتانيا والسباحة ضد التيار، بقلم د. محمد المختار ولد السعد

رمز شركة "سنيم"


 

 

رغبت طويلاً عن الخوض في قضايا الواقع الموريتاني المعيش واحتميت من إكراهاته المتلاحقة بالاهتمام بالماضي وإيقاعات زمنه الاقتصادي والاجتماعي ذي الذبذبات الطويلة، لا بحكم المنزع المهني التقليدي فحسب، وإنما كذلك لبعد الشقة ونأي الدار عن تفاعلات هذا الواقع. غير أن ما راج مؤخرًا من معلومات عن عزم الحكومة الموريتانية على بيع "سنيم" قد أرغمني على الخروج عن عادتي والإدلاء برأيي في موضوع خارج دائرة اختصاصي لما تعنيه خصخصة تلك المؤسسة الوطنية العتيدة من تنكرٍ لنضالات جيل السبعينيات، وتخلٍّ عن واحدٍ من أواخر رموز السيادة الاقتصادية في البلاد في وقت يعود فيه الغرب بخطى حثيثة إلى "الحرب الحمائية" ويتنكر فيه مروجو النيوليبرالية ورواد العولمة الاقتصادية لحرية التبادل وسلطة السوق، ويشهرون أسلحتهم القانونية وإجراءاتهم السياسية الاستثنائية ضد استحواذ الاستثمارات الأجنبية على شركاتهم الاستراتيجية رغم حاجتهم الماسة إلى السيولة النقدية لدفع نموهم المتباطئ وتمويل نظامهم التقاعدي.


وإذا كنا في غنى عن التذكير بالبعد الرمزي لهذه الشركة في المخيال الجمعي الوطني؛ فإن الاعتبار بالتجربة المعيشة في خصخصة المؤسسات العمومية الموريتانية، وبالدور الاقتصادي والاجتماعي المتميز الذي تضطلع به "سنيم"، يجعل الإقدام علي بيعها تفريطا كبيرًا في المصلحة الوطنية وسباحةً ضد التوجه الحالي لقادة الاقتصاد العالمي في أوروبا وأمريكا الشمالية التي تناهض حكوماتها الاستحواذ على الشركات الوطنية ذات الأهمية الاستراتيجية باسم الأمن القومي والمصلحة الوطنية العليا. وسنعطى أمثلة ملموسة على النزعة الحمائية الجديدة لتلك الدول، قبل أن نعرض لحالتنا الخاصة التي كانت مراعاة الوضعية الدولية أحد مسوغاتها المصرح بها.

- صفقات الاستحواذ تبعث الحمائية الغربية من مرقدها

يرى العديد من متتبعي الوضع الدولي الراهن أن العولمة أوشكت على الدخول في مرحلة نهاية دورتها والدخول في تناقض مع ذاتها، وظهور "عولمة معكوسة" تُبلور حقائق اقتصادية جديدة وواقعًا جديدًا يستفيد منه الجنوب أكثر فأكثر ويجبر مهيمني الأمس ومروجي إيديولوجية الليبرالية الجديدة على الدخول في مرحلة جديدة من السياسات الحمائية والتنكر لقيم طالما بَشَّرُوا بها. فالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا اللتان قادتا حملة دولية قوية لترسيخ مفهوم الاقتصاد الحر وفتح الأسواق وإزالة الحواجز الجمركية ووظَّفتا منظمة التجارة العالمية لتلك الغايات، تسعيان اليوم إلى تطويع قوانين هذه المنظمة لمصالحهما وإحياء مبدأ الحمائية لإعاقة الصفقات التجارية المحض باسم "الأمن القومي" و"الوطنية الاقتصادية".
فكم مرة اصطدمت، في السنوات الأخيرة، رغبة أصحاب الأموال الباحثين عن الربح بإرادة الساسة والمشرعين الأمريكيين والأوروبيين الذين لهم مآرب أخرى تدعوهم إلى التدخل في قوانين اقتصاد السوق وحرية التنافس فيه، سواء بسنِّ قوانين حمائية باسم "الأمن القومي" وحظر بيع الأصول الأمريكية والأوروبية في المؤسسات الاقتصادية المهمة والقطاعات الاستراتيجية العلمية والتكنولوجية والطبية والمعلوماتية، أو بالحجر على بعض الشركات وصناديق المعاشات في التعامل مع هذه الجهة أو تلك. وهذا النوع من الممارسات الذي يعكس حرص الغرب على الاستئثار بمصادر قوته والحيلولة دون استفادة الآخرين منها – ولو كان في ذلك خرق للقوانين والنظم التي بشر بها وسعى طويلا لإشاعتها – هو ما وجد التعبير المركز عنه مؤخرًا في القلق الشديد من صناديق الاستثمار السيادية والوقوف السافر في وجه دخولها القوي السوقين الأوروبية والأمريكية.


ويقصد بصناديق الاستثمار السيادية fonds souverains d'investissement، تلك الصناديق المالية التي أنشأتها الدول البترولية إثر الطفـرة النفطـية والبلدان الناهضة les pays émergents لتحقيق الاستقرار المالي وتوظيف فوائضها المالية الكبرى المتنامية في استثمارات خارجية من أجل تنويع مصادر الدخل وضمان إيرادات مستمرة للأجيال القادمة. فقد خلف ارتفاع أسعار النفط فوائض مالية كبيرة مكَّنت روسيا، مثلا، من تجميع أصول مالية بالعملات الأجنبية فاقت 350 مليار دولار، ودول الخليج من الحصول على 1,6 ترليون دولار. أما الصين فلديها فائض 1,2 ترليون دلار، ناهيك عن بقية النمور الآسيوية والدول البترولية مثل النرويج، وكازاخستان، وفنزويلا، وتشيلي، والجزائر، وليبيا...
وقدرت مؤسسة "مورغان ستانلي" حجم الأصول المالية التي تديرها هذه الصناديق السيادية في نهاية مارس 2007 بنحو 2,6 ترليون دولار، 1,5 ترليون منها خاص بالصناديق الخليجية. وتتصدر "هيئة أبوظبي للاستثمار" الصناديق السيادية حيث تبلغ قيمة أصولها 875 مليار دولار، وتأتي سنغافورة في المرتبة الثانية حيث تتوفر على نحو 490 مليار دولار، فالنرويج بأصول تبلغ 341 مليار دولار؛ في حين يتوقع الخبراء أن يتجاوز صندوق الاستثمار والتعاون الصيني الوليد صندوق أبوظبي من هنا وإلى غاية 2009. كما يتوقع أن يرتفع حجم تلك الصناديق إلى حدود 12 ترليون دولار بحلول 2015، وهو ما يعادل حجم الاقتصاد الأمريكي حالياً. وهذا ما يجعل خبراء مؤسسة "مورغان ستانلي" يتوجسون خيفة من هذه الصناديق ويقولون إن حركتها ستسبب إشكاليات عديدة للاقتصاد العالمي ويجعلهم يشعرون "بقلق متزايد حول العولمة المالية وتفاعلات تلك الصناديق معها أو في ردود فعلها". كما أعلن مسؤولو صندوق النقد الدولي عن قلقهم من تلك الصناديق، واعتبرها البعض بعبع سوق المال العالمية لضخامتها وتعاظم دورها المستقبلي؛ بل إن الكثيرين حذروا من "تسونامي مالي أجنبي" يجتاح اقتصاديات الدول الغربية.

واللافت للنظر، أن النزعة الحمائية التي وُوجِهت بها هذه الصناديق، قد برزت بالدرجة الأولى في الولايات المتحدة أكبر دعاة الخصخصة والانفتاح في العالم التي طالما ضغطت على الدول النامية لفتح اقتصاداتها أمام الاستثمارات الأجنبية وتحريرها من قبضة الدولة وقيود الحمائية.  فكلنا يتذكر الضجة السياسية الكبرى التي أثارها شراء موانئ دبي العالمية أصولاً في ستة موانئ أمريكية كبرى من شركة تشغيل الموانئ البريطانية "بي اند او"، وكيف انتهي الجدل في الكونغرس الأمريكي بشأنها بمنع موانئ دبي من تسيير تلك الموانئ وإجبارها على بيعها. كما منعت الولايات المتحدة شركة "كنوك" Cnooc النفطية الصينية من تملك شركة "يونوكال" Unocal وتفضيل شركة "شيفروه" الأمريكية عليها بالرغم من أن عرضها أقل من عرض الشركة الصينية. وصادق الرئيس الأمريكي في 26 يوليو الماضي على قانون يتيح لهيئة الرقابة على الاستثمارات الأجنبية تعطيل الصفقات "المخلة بالأمن الوطني"، ويخولها إمكانية الاستعانة بأجهزة المخابرات الأمريكية للتدقيق في أي صفقة يعقدها أجانب للاستحواذ على إحدى الشركات الأمريكية.


وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الإدارة الأمريكية تضغط على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للقيام بتدقيق ومتابعة مناهج الاستثمار التي تطبقها الصناديق السيادية ووضع إطار عمل "لإرشادها وتوجيهها". واستوقفت ظاهرة الصناديق السيادية وتنامي نفوذها وزراء المالية الأوروبيين وتدارسوا سبل التعامل معها، بل إن وزراء مالية الدول الصناعية السبع الكبرى ومحافظي بنوكها ومدير صندوق النقد الدولي قد تدارسوا في اجتماعهم الأخير في واشنطن قضية هذه الصناديق ودورها المتعاظم في السوق المالية العالمية بطلب من إدارة بوش. ويبدو أن الدول الغربية تتجه عموماً إلى الحدِّ من استحواذ الاستثمارات الأجنبية على ما تعتبره مؤسسات وقطاعات استراتيجية، وعدم السماح لتلك الاستثمارات بامتلاك أكثر من 20% من أي شركة أو مؤسسة ما لم تحصل على ترخيص استثنائي، مع العمل على حرمانها من حق التصويت المؤثر في إدارة الشركات المرغوب في امتلاكها.
وعلى الرغم من معارضة رجال الأعمال الكنديين التقليدية لتدخل الدولة في السوق، بادرت الحكومة الكندية في بداية أكتوبر 2007 إلى التدخل على وجه السرعة في محاولة لم تفلح من أجل تعطيل عملية استحواذ شركة أبوظبي الوطنية للطاقة على شركة "برايموست إينيرجي تراست" للنفط والغاز مقابل 5,5 مليار دولار أمريكي، دون انتظار تقرير لجنة الخبراء المشكلة لهذا الغرض. وتعتزم أوتاوا، قبل نهاية العام الحالي، إدخال قواعد جديدة على عمليات الاستحواذ الأجنبية على الشركات المحلية استناداً إلى مبررات الأمن القومي.


وقادت ألمانيا حملة ما سمّته "جهودًا لتحصين الشركات الأوروبية ضد الاستحواذات الخارجية"، حيث طلب مجلس الوزراء الألماني من الوزارات المعنية النظر في إمكانية فرض قواعد جديدة تحمى الشركات الوطنية من استحواذ أجانب عليها، وطالبت أنجيلا ميركل الاتحاد الأوروبي بوضع خطة شاملة "لحماية الشركات الأوروبية من استحواذات غير مرغوب فيها" مستبقة التشريعات الحمائية التي سترى النور في ألمانيا قبل نهاية هذا العام لحماية شركاتها من أن تستحوذ عليها صناديق استثمار حكومية في بلدان مثل الصين وروسيا ودول الخليج أو الهند، بل إن المحافظين يريدون من الحكومة الاتحادية التصرف تجاه تلك الصناديق بمفعول رجعي.
وردًا على الإجراءات الألمانية، أصدرت روسيا في 23 يوليو الماضي مشروع قانون يحظر بيع أسهم أي شركة استراتيجية إلى جهات أجنبية دون موافقة لجنة حكومية تم تشكيلها لهذا الغرض يترأسها رئيس الوزراء. وفي اليوم الموالي للقرار الروسي، صرح المفوض الأوروبي للتجارة بأن المفوضية الأوروبية تدرس إعادة العمل بنظام "الأسهم الذهبية" التي تحتفظ بها الحكومات الأوروبية وتمنع بواسطتها استحواذ مستثمرين أجانب على حصص مؤثرة في شركاتها. وإذا كانت بريطانيا لا تبدى حتى الآن حماسًا لمجاراة الدول الأوروبية في مخاوفها من صناديق السيادة، فإن باقي دول الاتحاد تتوجس منها خيفة وتعمل على اتخاذ إجراءات ضدها ولاسيما فرنسا التي تُعِد لجنة المالية في مجلس شيوخها حاليا تقريرًا حولها.

ولم تقتصر الإجراءات الحمائية على صناديق الدول الناهضة، وإنما عكّرت أحيانا صفو العلاقات عبر الأطلسي كما كان الحال في الإجراءات الحمائية التي اتخذتها الولايات المتحدة في 2002 لحماية سوقها الفولاذية، وامتناعها عن فتح أجوائها أمام شركات الطيران الأوروبية وما تولد عن ذلك من نزاعات تجارية. ومورست الحمائية داخل أوروبا نفسها وأثارت مساجلات جانبية بين الدول الأعضاء حيث تبنى البرلمان المجري بالإجماع في أوائل أكتوبر الجاري مشروع قانون قدمته الحكومة لحماية المؤسسات الوطنية من سيطرة الاستثمارات الأجنبية رغم الانتقادات الشديدة في أوساط الاتحاد الأوروبي وتهديد المفوضية الأوروبية برفع قضية ضد المجر إلى المحكمة الأوروبية، معتبرة أن القانون المذكور "مخالف لسياسة الانفتاح الاقتصادي للاتحاد التي ترفض الانغلاق الوطني ووضع العراقيل الاستثمارية أمام مؤسسات الدول الأعضاء في الاتحاد". ورغم التحذيرات والتهديدات الأوروبية، صوتت مختلف الأحزاب المجرية للقانون ودافعت عنه، وأجمعت على وصف شركة النفط الوطنية النمساوية بـ "العدو الخارجي الذي يتربص بشركة النفط والغاز الوطنية المجرية للاستيلاء عليها".


وأثار اتحاد "غاز دفرانس" Gaz de France مع مجموعة "سييز" Suez الفرنسية الخاصة، الذي ألقت فيه الحكومة الفرنسية بكل ثقلها وحال دون استحواذ شركة "أنيل" Enel الإيطالية عليها، ردود فعل إيطالية غاضبة جعلت وزير الصناعة الإيطالي يلغي لقاءً مع نظيره الفرنسي ويقول "إنه إذا ما سادت الحمائية الجديدة، فإن مستقبل الاتحاد الأوروبي السياسي والاقتصادي مهدد". ووصل الأمر بالنسبة لوزير الاقتصاد الإيطالي إلى حدِّ القول إن "الأجواء التي تحيط بالصراع بين الشركتين الفرنسية والإيطالية أشبه بالظروف التي أشعلت الحرب العالمية الأولى"، في حين اعتبر الناطق باسم الحكومة الفرنسية فوز "غاز دفرانس" بالصفقة "بطولة اقتصادية وطنية".
ومن غير المستساغ في ظل تنامي النزعة الاقتصادية الوطنية لدى الدول الغربية وتدخلها في قوانين السوق، وحرص دول الجنوب الناهضة على الاستفادة من العولمة الاقتصادية وما توفره من فرص لاستغلال هذه الدول مقدراتها أمثل استغلال؛ أن تنزع السلطات الموريتانية إلى مزيد من خصخصة قطاع حيوي استراتيجي من الدرجة الأولى يفترض فيه أن يشكل قنطرة دخول اقتصاد البلد في مرحلة التصنيع الجاد الكفيل بتأمين فرص العمل وتوطين التكنولوجيا والخبرة المعرفية وخلق القيمة المضافة. والحجج المتذرع بها أوهن من بيت العنكبوت.



- مسوغات بيع "سنيم" أو زيادة خصخصتها:

أثار استقبال رئيس الدولة للمدير العام لشركة "ميتال أرسيلور" الهندية بمحضر وزير النفط والمعادن والرئيس المدير العام لشركة "سنيم"، مخاوف الرأي العام حول احتمال بيع الشركة كلياً أو جزئياً. ويبدو مما هو متاح حتى الآن من معلومات أن هذا الخيار الوخيم العواقب لم يكن وليد اليوم، وإنما هو أحد التركات الثقيلة الموروثة عن الفترة الانتقالية وما قبلها؛ وإن أغرت بالتفكير في الإقدام عليه الآن الحاجة الماسة إلى سيولة نقدية كبيرة لمواجهة التزامات الحملة الرئاسية وإكراهات الواقع المعيش الصعب، وضغوط سماسرة الفكرة النافذين داخل النظام وخارجه.


وفي لقائه مع زعماء المعارضة، علل رئيس الجمهورية السيد/ سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله فتح الشركة أمام الاستثمار الخارجي بضرورة "ضخ مبالغ مالية إضافية إلى خزينة الدولة.. وتطوير أداء الشركة لجعلها قادرة على المنافسة في المستقبل"، مع الاعتراف بأن وضعيتها ممتازة لكن "استباق الأمور مطلوب".  وأكد وزير النفط والمعادن في المؤتمر الصحفي الذي كرسه للموضوع في 10 من أكتوبر الجاري أن "الغيرة على مصلحة سنيم" تمنع الحكومة من أن تبقى مكتوفة الأيدي.. حتى تراجع الأسعار وحدوث عجز مالي للشركة يجعلها عاجزة عن تسديد أجور عمالها". فشركة سنيم بوصفها منتجا للحديد ومسوقا له على مستوى الأسواق العالمية "لا يمكنها أن تتجاهل الوضع العالمي وتوقعات المنافسة الشديدة المحتملة" من "المنجم الضخم الذي اشترته شركة أريو تيترول الأسترالية في غينيا ويبدأ إنتاجه في السنتين القادمتين، والمنجم الآخر الذي اشترته ميتال أرسيلور في السينغال وسيبدأ إنتاجه في القريب العاجل". هذا في الوقت الذي ظل فيه إنتاج الشركة يراوح بين 10 إلى 11 مليون طن سنويا منذ أمد بعيد، والطلب على الحديد في ازدياد.


إن هذه الحجج التي سيقت لتسويغ قرار صعب الاستيعاب، ليست مقنعة لا من الناحية الاقتصادية ولا السياسية؛ بل إن سياق "الكشف" عن الفكرة نفسها والطريقة المتلعثمة في الدفاع عنها، مدعاة للشك والريبة في سلامة المسعى أصلا. وإذا كنا ممن يلتمس أحسن المخارج لسلطة وليدة وجدت نفسها بين مطرقة الحاجة الماسة، وسندان ضغوط السماسرة النافذين؛ فإن أبسط قراءة مقاصدية لتلك الحجج تظهر أنها داحضة لا تخدم مصلحة الشركة ولا العباد والبلاد.  فإذا كان من المشروع أن يبحث النظام عن مصادر مالية لإسعاف خزينة الدولة، فإن بيع سنيم لا ينبغي أن يكون أول ما يفكر فيه من حلول، لرمزيتها السيادية ومكانتها في الاقتصاد الوطني ودورها الاجتماعي المتميز والضروري بالنسبة للدولة فضلا عن مساهماتها المتزايدة في ميزانية الدولة وقيامها بدور المنقذ للأنظمة المتعاقبة من أزماتها المالية الدورية على مدى الثلاثين عاما الماضية. وإذا لم نأخذ في الحسبان سوى هذا العامل الأخير، فإنه حري بأن يصدنا عن الإقدام على بيعها أو التنازل عن حصص كبرى منها. فبيعها الكلي أو الجزئي سيوفر سيولة نقدية للخزينة سرعان ما تجف وتعود حليمة إلى عادتها القديمة في ظل غياب صمام أمان كان إليه الملجأ في أوقات الملمات. ثم إنه باستطاعة النظام الحصول على ما يحتاج إليه من أموال – وزيادة – لتمويل مشاريعه إذا عرف كيف يسوق تجربتنا الديمقراطية ويعطى إشارات مقنعة باستقرار البلاد وقطيعتها مع ممارسات العهود الاستثنائية النابذة للاستقرار، ويظهر جدية في العمل على إصلاح القضاء والإدارة. فمن غير المعقول أن نظل استثناء بين دول المغرب العربي التي تدفقت على كل واحدة منها منذ بداية السنة الحالية وحدها عشرات مليارات الدولارات من الاستثمارات الخليجية المباشرة الباحثة عن مجالات لاستثمار فوائضها المالية الهائلة التي عبرت الصحراء الكبرى ودكت الحصون الفرنسية والأمريكية المنيعة في غرب إفريقيا كما كان الحال مؤخرًا في السينغال والكونغو الديمقراطية ونيجيريا وغيرها.


أما التعلل بتطوير أداء الشركة وجعلها قادرة على المنافسة، فهو طموح مشروع وضرورة أكيدة، لكنه لا يستوجب بالضرورة مزيدًا من فتح رأسمالها فبالأحرى بيعها. وقد سبق لخطة التطوير الاستراتيجي، الرباعية الأهداف والسداسية المحاور، التي تبنتهى سنيم في 2006، أن ركزت على هذا الجانب وأخذت خيارًا يوائم بين الحفاظ على سنيم في بنيتها الأصلية الأساسية وتحديثها، ويفتح مشاريع تعدينية فرعية أمام المستثمرين الأجانب لتوافر السيولة النقدية اللازمة لتطوير الشركة الكمي والكيفي (مثل مشروع "العوج" لمكورات خام الحديد الذي سيشكل نقلة نوعية باتجاه التصنيع والرفع من قيمة صادرات الحديد).  وفيما يتعلق بالجانب التقني في عملية التطوير، فإن المختصين يجمعون على أن سنيم تملك الخبرة التكنولوجية اللازمة لجميع نشاطاتها المهنية سواء تعلق الأمر بالبحث الجيولوجي أو استغلال المناجم، وتسيير وصيانة البنى التحتية أو التسويق. وخبرتها الفنية المتميزة المتراكمة على مدى أربعة عقود في مختلف النشاطات المنجمية، حرية بأن يستفيد منها الجيران في مشاريع استغلال مناجمهم. ثم إن تطوير المصادر البشرية يشكل أحد المحاور الأساس في خطة التطوير الاستراتيجي للشركة.


ولا يجد التهويل من شأن المنافسة والخوف من تراجع الأسعار ما يسوغه في تجربة الشركة ولا في واقع سوق الحديد العالمي على المدى المنظور. فنوعية الحديد الموريتاني، وقربه الجغرافي من أوروبا الغربية التي ترتبط معها سنيم بعلاقات زبونية متميزة طويلة الأمد وتستورد 91 % من صادراتها من خامات الحديد، وصفقتها الأخيرة مع الصين (أكبر مستورد لخامات الحديد ومنتج للصلب في العالم والفاعل الأكثر ديناميكية في سوقه في السنوات القادمة) الممتدة على مدى سبع سنوات، واشتداد الطلب العالمي على الحديد وارتفاع أسعاره غير المسبوق حتى وصل سعر خاماته إلى 05 دولارا للطن؛ كلها عوامل تجعل سنيم في مأمن من كساد إنتاجها المحدود في المدى القريب والمتوسط. فالإنتاج العالمي من الصلب في تصاعد مستمر منذ 1999 بفعل النمو الصيني المطرد، وتوقعات يونكتاد unctad تقول إن الطلب على فلز الحديد سيزداد بحلول عام 2008 بمعدل 257 مليون طن مقارنة مع 2005 بفعل نمو الطلب المتوقع على الصلب بنسبة 5,8 %. وهذا التوسع في الطلب كاف لاستيعاب كامل التوسعات "المؤكدة" في الطاقة الإنتاجية وبعضا من تلك "المحتملة"، مع أن زيادة العرض في هذا القطاع أمر مألوف. وليس من شأن النمو الاقتصادي السريع في الصين والتوسع الكبير في المشاريع العمرانية في الشرق الأوسط والخلاف المحتدم حاليا بين الأوروبيين والصين بخصوص أسعار الصلب وزيادة وارداتها منه، أن يحد من التنافس أو يساهم في تراجع الأسعار قريبا في سوق تتسم بالمضاربة الشرسة. وضخامة المشاريع العمرانية في الخليج هي ما تسبب في الإعلان مؤخرًا عن التخطيط لاستثمار 2,8 مليار دولار في المنطقة العربية في الأشهر الأخيرة من هذه السنة لتوسيع مصانع الحديد والصلب القائمة وبناء أخرى تلبية للطلب المتزايد على هاتين المادتين. ويشكو المنتجون في المنطقة من شح المواد الأولية المتوفرة فقط في موريتانيا والجزائر، ويرون أنه لا يمكن اللجوء لإقامة مصانع للحديد والصلب إلا إلى موريتانيا لأن الكمية الموجودة في الجزائر "تكاد لا تكفي السوق المحلية".


ولو رجحنا فرضية تراجع الأسعار، فإن سنيم، بما تملكه من خبرة عملية وبنى تحتية وميزات فنية، أقدر على المنافسة والتكيف مع تدني أسعار الحديد من مشاريع وليدة لم تقف بعد على سُوقها، وجدوائية استغلالها مشكوك فيها إذا تراجعت الأسعار، فضلا عما يعترض انطلاق تلك المشاريع من عوائق فنية حالت طويلا دون استغلالها.  وإذا كانت زيادة الإنتاج أمرًا مرغوبًا فيه في فترة زيادة الطلب على المنتج وارتفاع أسعاره العالمية، فإن ترشيد ثروة غير متجددة وإطالة عمر استغلالها هدف يجب على المخططين الاقتصاديين الوطنيين أخذه في الاعتبار. ولن نكون بدعا في هذا الأمر إذا تذكرنا أن بعض بلدان أوروبا الغربية التي تمتلك مناجم حديد ومصانع للفولاذ فضلت طويلا استيراد الخامات الرخيصة وادخار مناجمها المكلف استغلالها. واتبعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة استراتيجية تجميد استغلال احتياطها الضخم من الفحم رغم حاجتها إلى مصادر الطاقة. وتبنت الهند في السنوات الأخيرة سياسة وطنية تقوم على تخفيض الحصص التصديرية من مناجم الحديد التي لا تقل نسبة الحديد فيها عن 64 %. ومع أن سنيم تخطط لمضاعفة إنتاجها خلال السنوات الخمس القادمة، فإن التركيز من الآن فصاعدًا في هذا القطاع يجب أن يكون على التصنيع القادر على جرِّ قاطرة النهوض الاقتصادي لأن صناعة الحديد والصلب من أهمِّ الصناعات التحويلية أثرًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكونها تشكل دعامة الصناعات الثقيلة وقاعدة التصنيع الأساسية. كما أنه وسيلة مُثْلَى لتوطين التكنولوجيا، واستيعاب اليد العاملة الوافرة وخلق القيمة المضافة العالية.


وعليه، فإن خصخصة هذا القطاع المنجمي المهم ورفع الدولة يدها عنه يجب أن يكون آخر ما يتم التفكير فيه لدوره الاستراتيجي الحيوي في أي سياسة تنموية اقتصادية واجتماعية متماسكة قادرة على النهوض بالبلد. ولنا في تجارب الآخرين عبرة لمن يعتبر. فتجربتا جنوب إفريقيا وليبريا في خصخصة نشاطاتهما الصناعية والمنجمية حَرِيُّتان بالتدبر، إذ خيَّب الشركاء الصناعيون الأجانب ما عُلِّق عليهم من آمال اقتصادية واجتماعية، واضطرت سلطات البلدين اليوم إلى البحث عن طريقة ما لاستعادة دور لهما في هذا القطاع.
أما الصين وكوريا الجنوبية، مثلا، فقد وعتا منذ البداية الدور المحوري للدولة في عملية التخطيط الاقتصادي والنهوض الصناعي. فالصينيون يرفضون أن تكون هناك طريقة واحدة في العالم لإدارة وتنظيم اقتصاد السوق، وأصروا على انتهاج طريقتهم الخاصة التي ترفض الخصخصة المتطرفة وتسمح للسوق بالعمل في بعض المجالات، وتحتفظ للدولة بوظائفها الرئيسية وبسلطانها في المجالات الحيوية. وفي قطاع الحديد والصلب، مثلا، عملت الدولة الصينية على الحدِّ من الاستثمارات الخارجية فيه حيث حظرت امتلاك أكثر من نسبة 49% في مؤسسات إنتاجه المحلية، وشجعت قيام تكتلات وطنية كبرى وعملت على عقلنة هذا القطاع الحيوي في بلد أصبح أكبر مستهلك ومنتج للصلب ومصدر له في العالم.
وفي كوريا الجنوبية، قامت السياسة الاقتصادية على فكرة تحقيق النمو الصناعي المتوازن، مع إعطاء الأولية للصناعات الثقيلة الضخمة، ودعم الصناعات الاستراتيجية ومؤسسات "الشيبول" التي اتخذت قاعدة للتصنيع السريع الموجه للتصدير. وبفضل رعاية الدولة، تطورت شركة "بوسكو" الحكومية من شركة صغيرة للحديد والصلب إلى شركة عالمية متطورة في هذا المجال.

وبوجه عام، فإن مختلف اقتصاديات ما بعد الحرب العالمية الثانية قد أخذت بالمقاربة الكينزية، واعتمدت تدخل الدولة الفعلي لترشيد العملية الاقتصادية. ونجح ذلك التدخل في علاج الكثير من إشكالات الاقتصاد الليبرالي، ومكّن أوروبا واليابان من محو آثار الحرب المدمرة والنهوض باقتصادياتهما والتحكم في قطاعاتها الاستراتيجية حتى أزمة 1973 الاقتصادية التي أخذت بَعْدَها الليبراليةُ ثأرها من الكينزية على يد النيوليبرالية والمؤسسات الدولية التي تهتدى بهديها (البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية) وتروج لها ولأسلحتها السحرية التي لم تفلح في القضاء على تخلف الدول النامية التي أخذت بأسبابها.


وفي الوقت الذي أخذت فيه الأسس النظرية والممارسة العملية للتوجه النيوليبرالي في التراجع أمام التحولات البنيوية الجديدة في الواقع الاقتصادي الدولي، وأصبحت العولمة تتناغم أكثر فأكثر مع "الوطنية الاقتصادية" التي دعا إليها رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومنيك دفلبيه في 2005؛ فإنه من الخطأ الانسياق وراء سراب إغراء التوجه النيوليبرالي والتعويل عليه في حل مشاكل الفقر والتخلف في تربة اجتماعية غريبة على منبته الأصلي وطبيعة المشاكل التي جاء لعلاجها.  وبغض النظر عن رغبة بعض أصحاب القرار لدينا في الانسجام مع توجهات "بريتون وودز" النيوليبرالية، فإننا يجب أن نتعظ بتجربتنا الفاشلة في مجال الخصخصة على مدى العقدين الماضيين، وأن نستفيد من التجارب الرائدة التي لم ينصع أصحابها لإملاءات تلك المؤسسات الدولية وانطلقوا من واقعهم المخصوص، في كل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية، ومن التجارب الناجحة من حولهم، فحققوا قفزة نوعية يُحتذى بها(التجربة الماليزية مثلا). ثم إن أي عملية خصخصة يراد لها النجاح يجب اتخاذها في إطار خطة إصلاح اقتصادي واجتماعي عامة إرادية المنطلق، مدروسة بتمعن وروية وانتقائية ومراعاة للمصلحة العامة.


ويبدو من الطريقة التي طرحت بها فكرة خصخصة سنيم وما تولد عنها من ردود فعل أن هذه الشروط لم تراع فيها، وأن الرأي العام الوطني يعارضها على نطاق واسع. وإذا كانت السلطات العمومية لا يحركها إلا الصالح العام و"الغيرة على مصلحة سنيم"، فإنه يتعين عليها أن تأخذ في الاعتبار التشخيص الفني الدقيق لواقع الشركة والرأي المؤسس الحصيف الذي تقدم به مديرها العام السابق السيد/ يوسف ولد عبد الجليل من أجل تطويرها على أسس واضحة المعالم تصون الحاضر وتبنى للمستقبل الواعد. وأرجو أن يتأسي رئيس الجمهورية، في هذا المضمار، بأخيه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي جمّد "قانون المحروقات" القاضي بخصخصة أكبر شركات النفط في الجزائر، واعترف أمام أعضاء حكومته بأنه تيقن من خطأ القانون الذي كان قد أقره بفضل حملة شنها ضده موظف بسيط صاحب مدونة إلكترونية يدعى علي رحايلة قال فيها إن قانون الرئيس "خطأ استراتيجي قاتل"(راجع: الشرق الأوسط اللندنية، عدد الأحد 4/2/2007).


وكلنا أمل في ألاّ يكون السيد رئيس الوزراء أقل غيرة على المصلحة العامة من سلفه الذي عضد جانب الرئيس المدير العام السابق لسنيم في مسعاه للوقوف في وجه جهود خصخصتها، ورسم استراتيجية لتطويرها والحيلولة دون الاستحواذ عليها.  وباختصار، أرجو ألا تأخذ العزة بالإثم الحكومة الموريتانية وتتعصب لرأيها وتلج في الدفاع عنه إذا كانت فعلا لا تبحث إلا عن مصلحة الشركة، وأن تتمثل بقـول محنـض بابـه بن اعبـيد – وغيره من السلف الصالح الشنقيطي – الذي لم يكن يرى غضاضة فى الرجوع عن رأيه وتبنى الرأي المخالف إذا ظهرت سلامته؛ فهو القائل فى مناظرة فقهية شهيرة:

وَضُحَ الْحَقُّ يَا لَبِيبُ فَسَلِّــمْ إِنَّ تَسْلِيمَ الْحَقِّ فِيهِ سَلاَمَــهْ
لَيْسَ مَنْ أَخْطَأَ الصَّوَابَ بِمُخْطٍ إنْ يَؤُبَ وَ لاَ عَلَيْـهِ مَلاَمَـهْ
حَسَنَاتُ الرُّجُوعِ تُذْهِبُ عَنْـهُ سَيِّئَاتِ الْخَطَا وَتَنْفِى الْمَلاَمَـهْ
إِنَّمَا الْمُخْطِئُ الْمُسِى مَنْ إِذَا مَا وَضُحَ الْحَقُّ لَجَّ يَحْمِى كَلاَمَـهْ.


أبوظبي، بتاريخ 27/10/2007

الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة

كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف

رئيس موريتانيا يسود و لا يحكم، بقلم الخليل ولد مأمون

"جون افريك" : لا أحد يعتقد أن ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا

مصادر موريتانية : "ساعة رحيل ولد الشيخ عبد الله أزفت"

مجلة فرنسية : آير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز

موريتانيا، جمهورية اسلامية تنخرها المخدرات

موريتانيون في امريكا ينتقدون الرئيس و يهاجمون معاونيه

صحيفة مغربية : العقيد فال ربما يكون متورطا في تهريب المخدرات

نيويوركر : موريتانيا تحتضن سجنا سريا لسي آي ايه

قصيدة : لا، لم تمت يا شيخنا

 

 

  اطبع