الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة    عندما يستورد عسكريو موريتانيا حيل جنرالات الجزائر : تحليل لما يجري في نواكشوط   -الحدث- في المؤتمر الوطني لحزبه : زعيم "التكتل" يشجب تدخل العسكر في السياسة و يشرح رؤيته الاصلاحية -الحدث- خلاف الرئيس و الجنرالات أكذوبة : محللون يكشفون الأهداف الحقيقية من "المسرحية"   -الحدث-    مجلة فرنسية : "اير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز" -الحدث-    مصادر موريتانية : "ساعة رحيل ولد الشيخ عبد الله أزفت" -الحدث-     "جون أفريك ": لا أحد يعتقد ان ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا -الحدث- كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف -الحدث- القضاء الموريتاني يحقق مع متهمين بتهريب مخدرات  -الحدث- ولد حننا ينتقد تشكيل "حكومة المتناقضات" في موريتانيا

 

Free Syria :::: سورية الحرة

 


موريتانيا.. شبح "القاعدة" أم لعنة النفط ، بقلم محمد السالك ولد إبراهيم


محمد السالك ابراهيم

 
في سابقة هي الأولى من نوعها تم إلغاء الطبعة الـ 30 من "رالي داكار" الشهير لـسنة 2008. و يبدو أن ارتفاع المخاطر المرتبطة بتهديدات "إرهابية"، مباشرة وغير مباشرة موجهة ضد اللحاق الدولي للسيارات والدراجات النارية كانت، إلى حد كبير، وراء هذا القرار الخطير. فاقتضت الحكمة اتخاذ أقصى درجات الحيطة و الحذر كما صرح بذلك وزير الخارجية الفرنسي السيد "كوشنير" معللا قرار الإلغاء. مع مرور الوقت، ارتقى هذا الحدث الرياضي الكبير إلى "تقليد وطني" في بلدان العبور، بفضل ما يجره من منافع متعددة اقتصادية وثقافية وسياسية لصالح تلك البلدان، بالرغم من تكاثر عدد الحوادث والإصابات فضلا عن الانعكاسات السلبية للسباق على الوسط البيئي. لكن يبقى الاقتصاد المرتبط بـ" رالي داكار" هائلا، بميزانية ذاتية تتجاوز 15 مليون يورو بدون إيرادات التلفزيون و رقم أعمال إجمالي يصل إلى حدود 200 مليون يورو. و بالتالي، لا شك أن منظمي السباق و كذا جميع المتعاونين و مقدمي الخدمات سيتضررون حتما من جراء إلغائه.

و بينما تحولت "القافلة" ذات الضجيج الهائل إلى مؤشر رئيسي لقياس درجة الاستقرار السياسي في البلدان التي تعبرها كل سنة، أخذت عملية رسم مسار السباق تخضع لمعايير "جيوبوليتيكية" أكثر مما تخضع لمقاييس تتعلق بنوعية التضاريس و وعورة الأراضي التي يمر بها و التي هي في الأصل عنصر الجذب الأساسي للسائقين المحترفين و كذا لمصنعي السيارات. لكن رالي داكار يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، فهو يتكون من 15 مرحلة من المغامرة و المتعة تجري 8 منها، هي الأصعب، فوق الأراضي الموريتانية كما أن مختلف التقارير المصورة التي تبثها وسائل الإعلام الدولية أثناء مرور "الرالي"، حول السياحة و التراث الثقافي في موريتانيا، تعتبر مساهمة لا تقدر بثمن لصالح البلد. أما قرار الإلغاء الذي شكل "ضرورة" للبعض و "صدمة" و "إحباطا" للبعض الآخر، فيأتي بعد عشرة أيام من عمليتين دمويتين ارتكبهما مسلحون "مجهولون"، مما أسفر عن مصرع أربعة سائحين فرنسيين قتلوا قرب "ألاك" على بعد 250 كلم جنوب - شرق نواكشوط ، و كذا ثلاثة جنود قتلوا قرب الحامية العسكرية في "الغلاوية" على بعد 370 كيلومترا شمال شرق أطار. إن تقييم حالة انعدام الأمن في موريتانيا، التي تشكل خلفية قرار إلغاء السباق، بقدر ما هي مثيرة للجدل فهي تعتبر مصدرا إضافيا للقلق و التوتر اللذين طبعا انطلاقة الجمهورية الثالثة بعد خروج البلاد من المرحلة الانتقالية العسكرية.

التصريحات الرسمية من الجانب الموريتاني حول الموضوع شحيحة و توحي بالالتباس حول الفرضيات التي انطلقت منها التحقيقات من أجل تحديد هوية مرتكبي العمليتين و الكشف عن دوافعهم الحقيقية. أما من الجانب الفرنسي، ذي الباع الواسع في مجال التواصل، فقد تعددت التصريحات الرسمية و تلاحقت حول الحادث من مختلف مفاصل الدولة الفرنسية. و قد نشرت وزارة الخارجية الفرنسية (Quai d'Orsay)، يوم الخميس 3 كانون الثاني / يناير2008 بيانا (ما زال ساري المفعول حتى الآن) ينصح بقوة جميع الفرنسيين بعدم زيارة موريتانيا أيا كان الهدف من الرحلة، في الوقت الذي كانت فيه ولاية آدرار وحدها تنتظر أكثر من 15000 سائح أوروبي غالبيتهم من الرعايا الفرنسيين.



***

إذن، هل تعني الهجمات التي وقعت مؤخرا في موريتانيا وانتشار التهديدات ا"لإرهابية" و الشعور بانعدام الأمن الذي ينبع منها أن الجماعة السلفية للدعوة و القتال (GSPC)، التي تحولت مؤخرا إلى فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (BAQMI) ، بعد إعلان ولائها "للقاعدة" الأم ، في سبتمبر/ أيلول 2006، قد نجحت أخيرا في إقامة شبكات من"الجهاديين" تتمتع بقدرات تسليحية و لوجستية نوعية تمكنها من فتح جبهة جديدة لها في بلادنا؟ أم أن الأمر لا يعدو مجرد سيناريو آخر سقيم من النوع السياسي- العسكري- الأمني، تم تدبيره بعناية لخلط الأوراق و قلب أولويات حكومة ديمقراطيه تبدو هشة و الإيعاز بـ "شر مستطير" لأجندات "شيطانية" داخلية و/أو خارجية قد تعصف بالاستقرار في هذا البلد؟ أم، يتعلق الأمر فقط بمحاولة لتقويض حياد موريتانيا في نزاع الصحراء الغربية تحت ضغوط من بعض جيرانها أو حلفائهم؟  هل نجحت "القاعدة" في تحقيق أهدافها الإستراتيجية الطموحة الهادفة إلى تعبئة المخزون الهائل من الإحباط السياسي والغضب الشعبي و الكراهية على نطاق واسع ضد السياسة الخارجية الأميركية المتسمة بالراديكالية و العجرفة على امتداد عالم إسلامي بات مضطربا أكثر فأكثر، عبر تجنيد الآلاف من الشباب المسلم الذين يعيشون ظروفا اقتصادية قاسية و لا يرون ضوء في نهاية النفق غير التسلل عبر "قوارب الموت" للوصول إلى الشواطئ الأوروبية؟

هل تعمل الشبكة الإسلاموية الدولية "للجهاد" على نقل مركز ثقلها التعبوي و الميداني جغرافيا من منطقة الشرق الإسلامي آسيا والمشرق العربي) نحو الغرب الإسلامي لتجد لنفسها ملاذا آمنا في منطقة الساحل، التي تعتبر إيكولوجيا واقتصاديا منطقة مسحوقة و مهجورة توشك أن تتحول إلى مأوى "للإرهاب" و أعمال العنف المختلفة، بما توفره الصحراء، خاصة في منطقة "الربع الخالي"الموجود في أقصى الشمال والشمال الشرقي من موريتانيا و في حدودها المتاخمة للجزائر و مالي، حيث تنمحي تلك الحدود في متاهات الرمال المتحركة مشكلة بذلك "جنة" حقيقية لتهريب جميع أنواع الممنوعات والاتجار غير المشروع بالأسلحة النارية و الذخيرة والسجائر والمخدرات و غيرها؟



هل تشهد تلك الصحراء التي لا تقهر، طورا جديدا من تحولاتها اللامتناهية عبر الزمن، بعد أن عاشت في الماضي فتوحات المرابطين الأوائل وإشعاعهم الثقافي و الروحي الأطلسي والمتوسطي، لتصبح منذ سنوات قليلة مضت ميدانا للكر و الفر يأوي مخيمات تجميع و تدريب "مجاهدي" مختلف الجماعات السلفية المسلحة قبل إرسالهم إلى الجبهات في الشيشان و العراق و الباكستان و الصومال، إلخ...، لتتحول هذه الصحراء الآن إلى مسرح كبير للعنف يحتضن "المعركة" ضد أهداف تكتيكية أو استراتيجيه مختارة في موريتانيا من قبل تنظيم "القاعدة"؟ هل يتعلق الأمر بمناورة "جيوبوليتيكية" ذكية لصرف أنظار الرأي العام الموريتاني بحساسيته المفرطة المعروفة ضد المشاركة الرسمية للبلاد في المناورات العسكرية المسماة بـ "فلينتوكس" أو "مدفع الحجر"؟ تلك العملية التي شارك فيها في السنة الماضية أكثر من 1000 عنصر من القوات الخاصة الأمريكية إلى جانب قوات افريقية متعددة الجنسيات، في إطار خطة عسكرية لعموم الساحل الإفريقي من أجل إعداد "مبادرة لمكافحة الإرهاب في الساحل" كنواة للذراع المسلحة الأمريكية في دول جنوب الصحراء و الغرب الإفريقي؟

ما هو الدور "الهام" الذي يتوقع أن يسند إلى موريتانيا، والذي من شأنه أن يكثف التعاون العسكري بين بلادنا و الولايات المتحدة بعد إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا (AFRICOM) التي يوجد مقرها حاليا في "شتوتغارت" بألمانيا في ضيافة القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا (USEUCOM). و يبقى الملفت للانتباه في هذا الموضوع أن هذه القيادة الأمريكية لأوروبا أصبحت تركز جل أنشطتها حاليا على البلدان الإفريقية التي لديها إنتاج كبير من النفط أو تتمتع باحتياطيات نفطية هامة في و/أو حول منطقة خليج غينيا، فضلا عن كونها تنفق 70% من وقتها لمتابعة الشؤون الإفريقية، بعد أن ظلت تلك الشؤون إلى حدود سنة 2003 لا تحظى سوى بالجزء اليسير من الاهتمام.

و في انتظار أن تصبح القيادة العسكرية الجديدة لإفريقيا مستقلة و تتخذ لنفسها مقرا فوق قارتنا السمراء و بالتالي تكون جاهزة للعمل في 2008-2009، نشير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا قد سبق لها أن أنجزت بالفعل برنامجا في سنة 2003 لمكافحة "الإرهاب" في غرب إفريقيا و في آذار/ مارس 2004 ، شاركت قوات أمريكية خاصة بشكل مباشر في العمليات العسكرية مع بعض البلدان في منطقة الساحل ضد الجماعة السلفية للدعوة و القتال الموجودة على لائحة المنظمات "الإرهابية" لدى واشنطن. كذلك، قامت تلك القيادة الأمريكية لأوروبا في عام 2005 بوضع برنامج لأمن السواحل في خليج غينيا، كما رتبت أيضا لإقامة قاعدة عسكرية بحرية في ساوتومي و برينسيبي.

أما في الوقت الحاضر، فان القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا تقوم حاليا بالتفاوض لإنشاء مواقع عمليات متقدمة في السنغال ومالي وغانا والغابون وكذلك في ناميبيا، على الحدود مع آنغولا. هذه "التسهيلات" تتعلق بتحسين مهابط الطائرات و تخزين الوقود و إيجاد "تفاهمات" مع الحكومات المحلية للسماح بالانتشار السريع للقوات الأمريكية إذا اقتضى الأمر بغية ضمان السيطرة على الطريق الغربي للنفط و كذا على المواقع الجديدة والحيوية لاحتياطيات النفط المكتشفة مؤخرا.
 

فهل هي لعنة الموارد الأحفورية (النفط والغاز، إلخ...) التي تنزل على بلدنا في اللحظة غير المناسبة، كما لو كانت الظروف المعيشية المتدهورة و ارتفاع أسعار المواد الأساسية و ازدياد نسب البطالة لا تكفي لتعذيب الفقراء في هذا البلد؟ و كيف السبيل إلى درء عفاريت النفط والغاز التي بدأت تخرج من قمقمها الصحراوي لتؤجج صراع المصالح المتضاربة بين القوى الدولية؟ و هل "ستذهب" موريتانيا ضحية "للحرب السرية" بين الأميركيين والفرنسيين للتنافس المحموم في السيطرة السياسية والعسكرية على شبه المنطقة و مواردها الطبيعية لضمان تدفق إمدادات الطاقة الضرورية لبلدانهم و كذا المحافظة على مكانتها و نفوذها كقوى دولية كبرى؟

هكذا كان الأمر في كل زمان و مكان، البنادق تسير على خطا التجارة. و اليوم تدخل شركات النفط الغربية العملاقة (كمثال: مجموعة توتال الفرنسية يبلغ رقم أعمالها السنوي أكثر من 12 مليار يورو و عدد عمالها يتجاوز 90000) في سباق محموم من أجل الحصول على نفط منطقة الغرب الإفريقي و لأجل ذلك فهي تطالب بتأمين الأمن والاستقرار كشرط ضروري. و وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، تعمل القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا حاليا مع غرفة التجارة الأميركية على توسيع نفوذ الشركات الأمريكية في إفريقيا، كجزء من "إستراتيجية وطنية مندمجة للاستجابة". و في هذا السباق الاقتصادي على موارد النفط في إفريقيا، تدخل الدول الاستعمارية السابقة و غيرها كبريطانيا و فرنسا، فضلا عن الصين، كل حسب مصالحها القومية، في تنافس شديد مع الولايات المتحدة.

و تبعا لتقرير صدر عن مجلس العلاقات الخارجية سنة 2005 تحت عنوان بالغ الدلالة "أكثر من الإنسانية: مقاربة إستراتيجية أميركية تجاه إفريقيا"، فإن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من المرجح أن تصبح في نهاية العقد الحالي مصدرا لتزويد الولايات المتحدة بالطاقة بمستوى أهمية الشرق الأوسط. و ترجح "مراكز الدراسات الإستراتيجية " الأمريكية بأن غرب إفريقيا يحتوي على زهاء 60 مليار برميل من احتياطي النفط المؤكد، وهو خام خفيف منخفض الكبريت يحظى بتقدير كبير لدى المصانع الأمريكية وكبريات شركات التزويد بالطاقة.

إن تصعيد الوجود العسكري الأميركي في أفريقيا كثيرا ما يبرر بضرورة مكافحة ظاهرة "الإرهاب" والتصدي لتنامي عدم الاستقرار في المنطقة النفطية من إفريقيا جنوب الصحراء. و يتوقع الخبراء أن برميلا واحدا من بين كل 5 براميل من النفط سيدخل دائرة الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العقد الحالي سيأتي من خليج غينيا و أن الحصة القادمة من خليج غينيا في الواردات الأمريكية من النفط سترتفع من 15% إلى 20% سنة 2010 ثم إلى 25 % سنة 2015. خاصة إذا علمنا بأن صادرات نيجيريا حاليا تمثل بالفعل 10% من إمدادات النفط التي تستوردها الولايات المتحدة و توفر آنغولا 4% ومن المتوقع أن تتضاعف حصتها بحلول نهاية العقد الحالي. كما أن اكتشاف احتياطيات جديدة مهمة، خاصة في غانا و كذا التوسع في إنتاج النفط الذي تقوم به بلدان أخرى في المنطقة يزيد من

فرص تصدير النفط، و تشمل هذه البلدان غينيا الاستوائية و وساو تومي و برينسيبي والغابون والكاميرون و موريتانيا و تشاد و السودان.  و بالفعل، فقد نصت وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة" في سنة 2002 على أن "مكافحة الإرهاب الدولي" و الحاجة إلى ضمان أمن مصادر الطاقة للولايات المتحدة تملي عليها السعي لزيادة انخراطها في إفريقيا، كما دعت تلك الوثيقة إلى قيام "تحالف طوعي" من أجل إقامة ترتيبات أمنية خاصة في تلك القارة.

***

لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ تلك السنوات حين هاجم "مهربون أجلاف" مجموعة من المشاركين في سباق داكار للسيارات سنة 1999 أو عندما ورد اسم المجموعة السلفية للدعوة و القتال و زعيمها مختار بلمختار، المعروف سابقا بـ "خالد أبو العباس" و الملقب "بلعور" ضمن تقارير للإستخبارات الفرنسية و لوكالة المخابرات المركزية إثر إلغاء مراحل الرالي في النيجر سنة 2000، ليأتي بعد ذلك اختطاف 32 من السياح الألمان والنمساويين في الجزائر، على يد عمارة السيفي الملقب "عبد الرزاق المظلي" في شباط/فبراير2003، أو كذلك عندما ألغيت المرحلتان العاشرة و الحادية عشر من "رالي داكار" بين "النعمة" في موريتانيا و "بوبوـ ديولاسو" في بوركينا فاسو عبر "موبتي" في مالي في كانون الثاني/ يناير 2004 تحت تهديد تنظيمات "ارهابية" كانت نشطة في منطقة الحدود بين الجزائر وموريتانيا ومالي. ولكن يبدو أن نشر بلاغ يهدد موريتانيا مباشرة بالانتقام نسب "للزرقاوي" في تموز/ يوليو 2004 الذي كان حينها زعيما للفرع العراقي من مجرة "القاعدة"، قد مثل بالفعل اللحظة التي أصبحت فيها موريتانيا في مرمى خط النار بالنسبة لذلك التنظيم الدولي.

بعد ذلك بأقل من سنة، حصل الهجوم على الحامية العسكرية في بلدة "لمغيطي" في 4 يونيو 2005 ، الذي جلب إلى طاحونة الأوضاع الأمنية في موريتانيا نصيبا هاما من القلق و مثله معه من الريبة و عدم اليقين. فعندما تعرضت وحدة من الجيش الموريتاني في الشمال الشرقي حوالي 150 كلم من الحدود مع مالي، لهجوم كاسح أدى إلى مقتل 15 جنديا و جرح 17 و 2في عداد المفقودين، قوبلت رواية الحكومة الموريتانية للأحداث ـ التي انحت بالمسؤولية على الجماعة السلفية للدعوة و القتال ـ بالتشكيك في أوساط واسعة من النخب المثقفة الموريتانية على الرغم من أن المعارضة، بجميع مكوناتها، قد سارعت بإدانة العدوان. و هكذا لم يصدق الرأي العام الوطني آنذاك ضلوع الجماعة السلفية للدعوة و القتال في تلك العملية. كان الكثير من الناس يشتبه في كون الرئيس السابق معاوية ولد الطايع يستخدم ببراعة التلويح بالتهديدات الإرهابية لمجرد تبرير التضييق على حرية المواطنين و للحصول على مكافآت سخية من تلك التي كانت تدفعها القوى الغربية في سبيل الحرب على الإرهاب. ففي ذلك الوقت، كان جل المراقبين للساحة يشككون في صحة المعلومات المتداولة حول وجود صلات بين التنظيمات "الإرهابية" في المنطقة المغاربية تتعلق بتلقي تعليمات تنفيذية ومساعدات مالية من قبل تنظيم "القاعدة" الأم، و كانوا ميالين إلى اعتبار الأمر مقتصرا على مجرد علاقات إيديولوجية و إعلامية ليس إلا.

بل لقد طالت حملة التشكيك نوايا و أفكار الزعيم السابق للجماعة السلفية للدعوة و القتال و أميرها في الجنوب الجزائري مختار بلمختار الملقب "بلعور" مع أنها كانت واضحة بما فيه الكفاية للتنبؤ بالتطورات الدراماتيكية التي قد تتجه نحوها الأوضاع المتسمة بتزايد انعدام الأمن في بلدنا وفي شبه المنطقة. ببساطة، لقد تبنت الجماعة السلفية للدعوة و القتال الهجوم على "لمغيطي" و دعت إلى طرد الأميركيين من منطقة الساحل وكبح وجودهم العسكري المتنامي في منطقة "كاؤو" بمالي و في منطقة "اغاديس" بالنيجر و كذا في منطقة "النعمة" بموريتانيا و لم تجد من يصدقها.

و رغم أن مؤشرات نمو نشاط "إرهابي" واضح المعالم في بلادنا و آفاق تطوره المنظورة يفترض أنها باتت مؤكدة منذ عدة سنوات، بعد أول إعلان رسمي عن وجود تيار "سلفي جهادي" في موريتانيا سنة 1994، فإن موريتانيا الرسمية قد اختارت دوما طأطأة رأسها في وجه ذلك التهديد الخطير. و كان الاتجاه السائد في الخطاب الرسمي هو التنافس بزهو في إبراز الأسباب التي ساهمت تاريخيا و حتى الآن في الحد من تصاعد التطرف والغلو الديني في بلاد شنقيط أمس كما في موريتانيا اليوم و تعداد فضائلها كما لو كانت قيما مطلقة تقع خارج الزمان و المكان. وقد جرى الاحتكام إلى تسويق مبالغ فيه لبعض العوامل الاجتماعية والثقافية المهمة مثل طبيعة التنظيم الاجتماعي الذي تهيمن عليه النزعة القبلية و الدور الذي تقوم به الطرق الصوفية بالإضافة إلى النزعة الفطرية لدى الموريتانيين لمقاومة الإسلام ا"لمستورد"، وهلم جرا.…، بدلا من فكرة الاعتماد على إجراء تشخيص موضوعي يفضي إلى خطة للعمل بمهارة و جدية، ضمن الوقت المناسب، لنزع فتيل عوامل الاختلال التي تساهم في انتشار الإسلام السياسي الراديكالي في بلادنا و معالجتها بشكل جذري قبل وقوع الكارثة.

في موريتانيا، كما في أي مكان آخر في العالم الإسلامي يشكل الظلم الاجتماعي والسياسي و كذا الفشل االذريع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية أهم العناصر المغذية "للإرهاب" كظاهرة مجتمعية منحرفة بغض النظر عن طبيعة محتواها النظري إن وجد. كما أن عوامل مثل الغزو الأمريكي لأفغانستان و العراق والصومال (عبر أثيوبيا) والتحيز الظالم ضد الفلسطينيين و اللبنانيين في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تعتبر دوافع قوية إضافية لانتشار التطرف و الراديكالية في العالم الإسلامي. و تعمل تكنولوجيا الإعلام و الاتصال، التي تبث على مدار الساعة على استنساخ قيم و إيديولوجيا ثقافة العنف على شكل دراما سمعية و بصرية عبر وسائط الانترنت و التلفزيون والأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية و Mp3 ، على تعبئة الجموع الفقيرة من الشباب المسلم كمادة خام لتتحول إلى وقود للتطرف و"الإرهاب".



***

و رغم أن التطور"الدولتي" لموريتانيا ظل على الدوام بالغ التأثر بتذبذب ميزان العلاقات الدولية و بالثقل الساحق للعوامل "الجيوبوليتيكية" عبر 47 سنة من الاستقلال، إلا أن وضعية هذا البلد تتميز اليوم بعدم وجود أي هيكلة تنظيمية للأمن والدفاع القومي قادرة حقا على التعامل مع التحديات التي تواجهه اليوم، أحرى أن تكون قادرة على اقتراح حلول و بدائل متسقة للخروج من المأزق.  موريتانيا ليست المغرب أو الجزائر. فسواء مع أو بدون تهديد "القاعدة"، بلادنا لا تملك خيارا أمنيا ناضجا ضد تهديد "إرهابي" واقع أو محتمل أيا كان مصدره. و هنا يقدم مسار التحقيق المترنح في قضية الكوكايين "المحمولة جوا" عبر الأطلسي دليلا غير قابل للدحض على صحة هذا الزعم. ببساطة، لم يسبق أن وضعت موريتانيا لنفسها أبدا إستراتيجية من هذا القبيل. مضى نصف قرن من الزمان، و لم توجد أي إرادة سياسية حقيقية لتتحمل بجدية هذه المسؤولية باعتبارها حاجة ضرورية لصلاح وجود الدولة الموريتانية واستمرارها.

و أيا كانت دموع التماسيح التي تذرف اليوم هنا و هناك و نحيب الشجب و الإدانة التي تحولت إلى طقوس روتينية لتقديم الولاء السياسي على "الطريقة الرائجة" الآن، علينا أن نواجه الحقائق و أن نعترف بأن بلادنا ـ للأسف ـ لا تمتلك أي عقيدة وطنية للأمن القومي أحرى أن تتوفر على إستراتيجية متكاملة للأمن البشري لحماية الوطن مدعمة بخطط عمل جاهزة للتنفيذ. لقد ظل مفهوم الأمن القومي غامضا و ذا دلالات سلبية كما أن تأويلاته السياسية قد قادت البلاد إلى شتى صنوف التجاوزات المقيتة. و لأمد طويل، ظلت وظائف وهياكل الدولة المنسوبة إلى القطاع الأمني مختزلة في جوهرها كجهاز قمعي و تعسفي كان همه المطلق هو حماية الحكم السياسي في مواجهة الشعب مقابل قبض ثمن من نوع ما. فهل يجدر بنا الانتظار حتى يصير الثمن وطنا؟!

الوسائل البشرية و المادية و كذا التجهيزات و الآليات والمعدات التسليحية والتقنية و اللوجستية المخصصة لقطاعي الأمن و الدفاع و كذا مستوى جاهزية تلك الوسائل لم يسبق، في أي وقت من الأوقات، أن أعتمد في تشكيلها وتعبئتها وتنظيمها ونشرها أن تتناسب مع الاحتياجات الإستراتيجية للدولة الموريتانية. كما أن مسؤولية تقييم و أخذ الحقائق الاجتماعية والاقتصادية و كذا الإكراهات الوطنية البشرية والطبيعية والجغرافية و"الجيوبوليتيكية" بعين الاعتبار في عملية بناء منطقي لمنظومة أمنية و دفاعية قادرة على الاضطلاع بمهام "الأمن الإنساني" للجمهورية والدفاع عنها، مع القدرة على الاستجابة الفورية، إذا اقتضى الأمر، لتهديدات جدية و خطيرة مهما كان مصدرها تستهدف وجود "الدولة الوطنية" في الصميم كالجريمة المنظمة و "الإرهاب" وتهريب المخدرات و الاتجار غيرالمشروع والهجرة السرية، الخ.…، ببساطة، لقد ظل هذا النوع من الاهتمامات، في أفضل الأحوال، مسألة مهملة إن لم نقل منسية في جدول أعمال الأحكام المتعاقبة.

هذه الحقيقة المرة لواقع السياسات الأمنية و الدفاعية المزري في بلادنا لا يجوزبأي حال من الأحوال أن تشكل مبررا أو غطاء لأي قرار قد يتخذ على عجل و تحت تأثيرالصدمة يكون من بشأنه توريط موريتانيا في التخندق مع أي ائتلاف أمني ـ عسكري أجنبي مشبوه بذريعة "الحرب على الإرهاب". فمثل تلك القرارات المغامرة ليست من الرشاد في شيء و قد أثبتت فشلها في أنحاء عديدة من العالم و جلبت الخراب و الدمار للبلاد و العباد. وهي فضلا عن كونها ستبقى مرفوضة من طرف الرأي العام الوطني والطبقة السياسية النزيهة، فهي لا تمثل الجبهة الحقيقة التي يتوجب على بلادنا أن تحشد لها العدة و تعلن لها النفير. إن "حربنا" و "جهادنا" و "تحالفنا" الحقيقي هو ضد التخلف و الفقر و الجهل و المرض و البطالة و التهميش و الظلم والغش و التلاعب بالمصالح العليا للشعب.

***

إن موريتانيا بحاجة ـ أكثر من أي وقت مضى ـ إلى تغيير نظرتها إلى الأمور كدولة و إلى إعادة صياغة جوهرية و ترميم عميق لسياساتها الأمنية والدفاعية فضلا عن تدبير دبلوماسيتها على الصعيد الدولي بشكل علمي، مهني و فعال. إن قضايا الأمن و الدفاع و السياسة الخارجية و الدبلوماسية هي مجالات بالغة الحساسية و لا يمكن أن تنسجم مع الارتجال و اللامبالاة. و ينبغي أن نعي أن هذه المجالات ليست مجرد "مخصصات ميسرة للصرف" أو رحلات "استجمام" عبر العالم، بل هي أمور، فضلا عن كونها معقدة بطبيعتها، هي شرط لوجودنا ـ كدولةـ و لمصيرنا و لصحة تعاملنا مع الآخر. إن إصلاحا حقيقيا يمس جوهر و شكل هذه السياسات المذكورة لم يعد في الإمكان تأخيره. لقد حان الوقت لأن تتغير النظرة الضيقة للأمن وللدفاع في بلدنا، تلك النظرة المحصورة في أمن"السلطة الحاكمة" و أمن "الإقليم" على حساب أمن "البشر" أي الناس العاديين، الذين يسمون " مجازا" في بلادنا بالمواطنين. إن مثل هذا التغيير في الأفق، يقتضى من الآن فصاعدا أن تركز السياسات الوطنية أولوياتها على المواطن أولا و قبل كل شيء، لتجعل من حفظ كرامته و احترام حقوقه و تحقيق طموحاته في التنمية المستدامة و رعاية مصالحه الحيوية المشروعة نقطة مرجعية لكل عمل وطني مستقبلي .



إن مستقبل جمهوريتنا الثالثة ـ اليوم ـ مرهون بإدخال إصلاحات عميقة على كيان الدولة لإعادة هندسة وظائفها الرئيسية من النواحي الإيديولوجية و الإستراتيجية والمؤسسية. و هذه المقاربة تمر حتما ـ من بين أمور أخرى ـ بإنشاء مجلس للأمن القومي و"منظومة عملاتية" (opérationnel système) لتنسيق السياسات العمومية المدنية و العسكرية مع الحرص على انتقاء طواقم وطنية متعددة التخصصات مهنيا وفكريا. و داخل "مختبرات" الأفكار والقرارات هذه، سيتم اقتراح و دراسة و ترشيد التوجهات والخيارات السياسية الداخلية والخارجية و الأمنية و الدفاعية بفضل اختلاف المذاهب الفكرية و المهنية و تعدد التجارب و الخبرات بين خيرة المثقفين الوطنيين الذين يسهرون على حسن سير تلك المؤسسات الاستشارية الحميمية. و بعد التحكيم على مستوى الحكومة أولا ثم لدى رئيس الجمهورية كمرجع أخير، يتم الإبقاء على أنسب الحلول و أرشدها و تجري ترجمتها إلى سياسات رسمية و برامج متماسكة و خطط عمل و إجراءات تنفيذية تلتزم الإدارات والمصالح العمومية المدنية والعسكرية ـفي الداخل والخارج ـ بوضعها موضع التنفيذ ومتابعتها و تقييمها.

لا شك أن وجود ديمقراطية تعددية مزركشة بألوان قزح و كذا إجراء انتخابات شفافة "تقريبا"، يمثل بداية طيبة. لكن الهيمنة على الحياة الوطنية من طرف أحزاب سياسية قديمة و جديدة و جديدة/قديمة، لا هم لها إلا هوس التعلق بالسلطة و التزاحم على المغانم، لا يمكن بالتأكيد أن يكون نهاية سعيدة لمسار نصف قرن من عمر الدولة. إن حياة شعب ما لا يمكن أن تتوقف عند حالة متصلبة. بل يجب السعي دون كلل لبذل جهود متواصلة قصد التمييز داخل ركام التناقضات و الإكراهات والمتطلبات المختلفة، التي تؤثر على روابطنا و سلوكاتنا الداخلية و الخارجية، عن ثوابت المصالح العليا للشعب والتمسك بها والدفاع عنها مهما يكن الثمن.

و لا يمكن أن يتعلق الأمر هنا بتغذية الأوهام. فقوة المنافسة الدولية اليوم - التي ما فتئت تغذيها العولمة و كذا الظواهر الخارجة عن سيطرة الدول مثل الجريمة المنظمة و "الإرهاب" و تهريب المخدرات و الهجرة السرية - لا ترحم. إنها تحكم على الدولة التي لا تحسن المناورة بالخضوع حتما لمناورة دولة أخرى عرفت كيف تجيدها.

محمد السالك ولد إبراهيم
باحث، المركز الموريتاني لأبحاث التنمية والمستقبل.

 

 

 

  

الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة

كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف

رئيس موريتانيا يسود و لا يحكم، بقلم الخليل ولد مأمون

"جون افريك" : لا أحد يعتقد أن ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا

مصادر موريتانية : الخلاف بين الرئيس و الجنرالات أكذوبة

مجلة فرنسية : آير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز

موريتانيا، جمهورية اسلامية تنخرها المخدرات

موريتانيون في امريكا ينتقدون الرئيس و يهاجمون معاونيه

صحيفة مغربية : العقيد فال ربما يكون متورطا في تهريب المخدرات

نيويوركر : موريتانيا تحتضن سجنا سريا لسي آي ايه

قصيدة : لا، لم تمت يا شيخنا

 

 

  اطبع