|
|
في العدد السادس من اسبوعية "شنقيط" الصادرة في
انواكشوط يوم 8/1/2008، طالعت مقالا مطولا عنونه صاحبه بعنوان بعنوان :
(أحمد ولد داداه تاريخ حافل بالتنكر للحلفاء والتناقص وحب الذات)،
واستغربت كثيرا مما ورد في المقال الذي وقع باسم محمد ولد الامين، من
تجني واستهداف ملفق ضد الرجل الذي ظل مدرسة لاجيالنا الصاعدة في تعلم
الاخلاق السياسية والصمود والثبات على النضال خلال ما يقرب عقدين من
الزمن، خصصها ولد داداه من عمره السياسي، في النضال والكفاح ضد
الدكتاتورية، في زمن قل فيه المناضلون، وفي أيام عصيبة على هذه الامة
عشناها خلال التسعينات الماضية وبداية الالفية الحالية قبل سقوط النظا،
حيث تسابق الكثيرون نحو موائد النظام، وانخرطوا في الحزب الجمهوري، أو
اقتربوا من الحكم وانتهجوا سياسة المهادنة والمساومة، ليبقى الرجل في
ميدان النضال شبه وحيد لا نصير له ولا معين إلا جماعات قليلة من الشباب
المتحمسين.. والكتاب الاوفياء لخط الرفض والانحياز لقضايا الشعب
العادلة.
وقد ذكر كاتب في مستهل حديثه بأن ولد داداه انهزم وبفارق كبير أمام
ولدالطايع سنة 1992، لكنه لم يذكر ما اكتنف تلك المهزلة وما تلاها من
تزوير فاحش وتلاعب باصوات الجماهير، وأظن أن صاحب المقال لم يرد تذكر
نتائج كبني الشهيرة، وأخواتها من مدن البلاد وقراها التي عمل النظام
آنذاك مع جل الشيوخ والمشائخ على تزويرها، وبدعم مباشر من الادارة..
وقادة الجيش الكبار، لذلك وبما أن أفعال العقلاء مصونة عن العبث فمن
السداد ما فعل ولد داداه حينها من مقاطعة للمهازل الاخرى، وأنت قلت بأن
مقاطعته تلك (اعتبرها حلفاؤه خطأ لا يغتفر بعد أن حرمت المعارضة من
التمثيل في البرلمان هذا قبل أن يفتح الحزب أمام جماعات قومية يعتبرها
حلفاؤه عدوا إيديولوجيا لهم(
وللتعليق على الفقرة السالفة، فإن الكل يعرف أنه في ذروة طغيان النظام
الذي كان قائما وتجاهله لكل مطالب المعارضة قبل انتخابات 1997 التي
نظمت يوم 12/12، وقاطعتها المعارضة، انسحبت عدة جماعات سياسية من حزب
السلطة واتجهت لحزب المعارضة الرئيسي UFD، كانت بدايتها مع ودادية
الدفاع عن الديمقراطية التي قادها شيخنا ولد محمد لقظف، والمختار ولد
السالك.. مرورا بجماعة الاطر الناصريين الذين رفضت قيادات من الحركة
الوطنية الديمقراطية دخولهم للحزب، لتنسيحب تلك الجماعة وتنازع على اسم
وشرعيته، وقد فتح القصر أمامها لتلتقي بولد الطايع في سياسة ما سمي
آنذاك بالمساومة، وبما أني لا أريد الإسهاب في نبش كل ما جرى بين رفاق
النضال آنذاك، إلا أن المؤكد أنه كان لصالح النظام وسياسته في تشتيت
المعارضة، ولا أدل على ذلك حينها أن السلطات قد باركت ما جرى وقسمت
الميزانية الممنوحة للحزب إلى عدة حصص، فمنحت UFDب 6 ملايين، ولحزب AC
6 ملايين والستة الباقية عرضتهم على ولد داداه الذي قيل حينها بأنه رفض
هذه القسمة واعتبرها غير شرعية، أما مسعود ولد بلخير وجماعته حينها لم
ينازعوا ولد داداه، وإنما انسحبوا وأسسوا حزبا يخصهم كما فعل المرحوم
حمدي ولد مكناس، ومحمد ولد باباه، ولا أظن أن كل تلك الانسحابات التي
جرت حينها كان من أسبابها وجود ولد داداه على رأس الحزب، وإنما لصعوبة
المرحلة وتدخل الايادي الخفية للنظام، الذي يخشى تماسك ذلك الحزب
المشاكس له، لذلك يلجأ البعض إلى ما يراه مناسبا من مبررات في
انسحاباته.
أما ما يتعلق بما أوردت من دفاعه عن قضايا الزنوج في البداية، فأظن أنه من حقه كسياسي أن يخطب ود تلك الشريحة للتصويت له، في وقت كان البعض يرى بأنها واقعة تحت ظلم كبير، وهو ما اعترف به الرئيس الحالي والتزم بالتعويض لهم عنه، ولو أنه في حملته الانتخابية أعلن ما جاء في خطابه الشهير قبل أشهر من تعاطف مع الزنوج واعتراف لهم باسم الدولة لما صوت له الكثير من الموريتانين، ولاعتبر مواليا لأولئك الزنوج على حساب الشريحة التي ينتمي إليها، كما قلت عن ولد داداه، أما انتماء أغلب انصار ولد داداه كما ذكرت لولايته أو مسقط رأسه، وإن كنت لا أشاطرك في ذلك، فبإمكانك اللجوء إلى ارقام حصيلته الاخيرة في الولايات الموريتانية، إلا أن ذلك وإن كان واقعا فأظن أنه تزكية للرجل، لأن قوم المرء وذوه، هم أكثر الناس معرفة به، وتزكيتهم له تعتبر عامل قوة له وفخر، واظن انه في كل بلاد العالم يحظي المرشحون بتعاطف مناطقهم الاصلية المنحدرين منها، أما مشاركته في منتدى القيم الديمقراطية التي دعى إليها ولد سيدي بابه قبل سقوط النظام كما اشرت لذلك، فنعرف أن ولد داداه كان دوما ينشد الحوار، وتغليب الطرق السلمية ومنطق العقل على العنف والتغيير بالقوة ما أمكن إلى ذلك سبيلا، أما ما وصفته بمغازلته للمجلس العسكري، فأظن أنه من واجبه الترحيب بما أعلنه العسكريون من برامج إصلاح، ولا ينبغي إلا التعامل معهم بحسن نية حتى يثبت العكس، وهو ما قد بادر إليه قبل الانتخابات البرلمانية الماضية، عندما ترأس في قصر المؤتمرات لقاء موسعا للقوى السياسية الوطنية بمعارضتها وموالاتها، وذلك للوقوف في وجه توجهات بعض أعضاء المجلس العسكري ورئيسه الذين أصبحوا مع أواخر سنة 2006 يتدخلون في السياسة ويطلبون من الزعامات التقليدية الانسحاب من أحزابها لصالح ما سمي بتيار المستقلين الذي حمل ولد الشيخ عبد الله لاحقا إلى القصر الجمهوري،
أما اتهامك لاحمد ولد داداه عند اعلان نتائج الشوط الثاني من الرئاسيات الماضية بأنه لم يكن بامتياز رجل تلك اللحظة إذ لم يتحل بالشجاعة الكافية لاتخاذ قرار اللحظة"، فيبد انك كنت تود منه على ما يبدو عدم الاعتراف بالنتائج التي جاءت من الناحية التقنية والشكلية مقبولة على الاقل، فهل تريد منه رفض نتائج كانت بهذه الصفة ليتسبب في دخول البلاد في توتر آخر هي اضعف من تحمله في تلك اللحظات، لتتضرر مصداقية مواقفة وتتهاوى سمتعه كسياسي مستقيم،لكنه كان علي مستوي الحدث وامتلك الشجاعة لخدمة ديمقراطيتنا الوليدة، صحيح أن رئيس المجلس العسكري وبعض أعضائه ساهموا إلى حدما في صعود ولدالشيخ عبد الله على ولد داداه، وهذا ليس سرا عند الجميع، كما ساهموا ولو من وراء حجاب في توجيه ولد بلخير في اتجاه غير اتجاهه الأصلي، وحرموه من استمرار صيت نضالي وسمعة قد تمتع بها في الماضي كمناضل عنيد، يقف في صف المبادئ والوفاء لرفاق الدرب و السلاح، ومع أن بعض المرشحين ممن أعلنوا دعمهم لداداه في الشوط الثاني، كانت لأنصارهم توجهات أخرى يوم الاقتراع، إلا أنه للأمانة فإن لصالح ولد حنن موقفه الذي لم يساوم فيه ولم يفاوض وكذلك جماعة الاصلاحيين (تواصل) فيما بعد لا يسلم بن حرة زميله حتى يموت أويرى سبيله.
وكذلك اختار محمد ود مولود ورفاقه موقفا مشرفا، والمرشح صار ابراهيما
الذي صوت أنصاره بكثرة لخيار زعيمهم، وهو خيار التغيير والقطيعة مع
الماضي الذي كان الموريتايون يتوقون إليها، وخصوصا نخبهم المثقفة
وشبابهم الذي ما كان يظن بأن المصير سيكون "العودة أو عادل"، ومنطق حزب
القبائل، وموظفي الدولة، الذي سيعيدنا اليوم للمربع الأول، أما قضية
مؤسسة المعارضة، فقد صرح بأن امتيازاتها لا تعني له شيئا، وبخصوص ذكرك
لمواصفات الزعامة أو القيادة التي قلت بأن (من أهمها أن يتقدم الزعيم
صفوف المقاتلين في المعارك ويتأخر عند الغنائم) فأقول لك وحسب معرفتي
بولد داداه، وما قرأت عنه أو سمعت وهذا ما يشهد به الكثيرون، بتمتعه
بصفات القيادة والزعامة، من الاستقامة والشجاعة والتواضع..إلي شهامة
الأخلاق والتدين حسب من عرفوه وساكنوه عن قرب، وطبيعي أن قيادي كبير
تلتف حوله الجماهير، قد يلجؤأحيانا لاتخاذ مواقف قد لا يرضى عنها
الجميع، فلا بد للمرء من مادح وقادح كما يقال، ومن ذا الذي ترضى سجاياه
كلها كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه.
ومع ذلك فان الرجل الذي حاولت في مقالك النيل منه والغمز في ماضيه،
يتمتع باحترام كبير في هذه البلاد التي صوت له ما يقرب من نصف ناخبيها،
ويشهد له الكثير من الأعداء قبل الاصدقاء بخصائص تندر في الكثير من
ساستنا اليوم،وإن كنا منصفين علينا أن نتذكر أنه فعلا قد تقدم الصفوف
في المعارك السياسية، كزعيم سياسي مناضل، وكان النظام ومازال يحسب له
الف حساب، كما تعرض للسجن مرارا والمحاصرة والمضايقة وحظر نشاط حزبه..،
لكنه ليس في علمي أنه دخل الجندية، ليتسنى له امتطاء دبابة للانقلاب
على خصومه، إلا أنه ظل صعب المراس كمعارض عنيد حتى تهاوت أركان
الدكتاتورية في البلاد بفعل مقاومته للاستبداد، ومعارضته له الي جانب
رفاقه في قوي المعارضة الاخري التي يحصد الشعب الموريتاني اليوم نتائج
صبرهم وتضحياتهم .. في سبيل الحرية.
سيدي محمد ولد محفوظ
كاتب صحفي
mahfod1@maktoob.com