|
|
ود المسؤولون الموريتانيون لو أن مقتل السياح الفرنسيين الأربعة يوم
الاثنين 24 ديسمبر 2007؛ يكون مجرد عملية قطع طريق لا أكثر، فلو صحت
الفرضية الجنائية في نظرهم وبأقصى سرعة؛ كان ذلك أفضل لصورة الحكومة
والبلاد خارجيا على الأقل. غير أن الرياح هذه المرة جرت على غير هوى
السلطات بتأكد فرضية العمل الإرهابي وانتماءات منفذيه السلفية الجهادية.
ولم تكد الساحة الوطنية الرسمية والشعبية تفيق من هول صدمة اعتداء
ألاك؛ حتى صعقتها أنباء غير سارة هذه المرة من أقصى شمال شرق البلاد،
فقد هاجم مسلحون مجهولون الخميس 27 ديسمبر 2007 موقعا متقدما قرب حامية
"الغلاوية" على تخوم المثلث الصحراوي الخطر حول ملتقى الحدود
الموريتانية الجزائرية المالية، إذ قتل المهاجمون ثلاثة جنود، واستولوا
على عربتهم وأسلحتهم. يطرح هجوما ألاك والغلاوية أكثر من سؤال، وفي
أكثر من اتجاه، أسئلة متداخلة لا تقتصر على أسباب ومرامي وظروف وقوعهما
فحسب، بل تمتد إلى ما بعدهما. ودلالات كل ذلك؛ سياسيا وسياديا وأمنيا
واقتصاديا.
هروب إلى الجنوب فهجوم في الشمال
باشرت السلطات الأمنية الموريتانية فور وقوع اعتداء ألاك حملة اعتقالات
شملت مشتبهين سلفيين، وثلاثة أفراد من أسرة واحدة بمدينة بوغي النهرية
يشتبه أن أحدهم ساعد منفذي الهجوم على عبور النهر نحو السنغال. كما عثر
في مكب للقمامة بمدينة ألاك على بندقية كلاشنكوف يعتقد أن المهاجمين
استخدموها في سفك دماء السياح الفرنسيين. ولأنها دماء أوربية فهي أعز
وأغلى من دماء صيادي نواذيبو البسطاء الذين تسحقهم دوريا سفن الصيد؛
الأوربية وغير الأوربية، دون أن يثير الأمر اهتماما رسميا يستدعي قدوم
فريق من المحققين المغاربة، أو من مكتب مراقبة الأراضي الفرنسي.
على أن الرئيس الفرنسي لم يؤجل فسحته إلى مدينة الأقصر الأثرية
المصرية؛ رفقة صديقته الجديدة عارضة الأزياء السابقة المغنية كارلا
بروني، فقد تعهد له نظيره الموريتاني في مكالمة هاتفية بالقبض على
الجناة والتكفل بالجريح الفرنسي وإيصال جثامين القتلى إلى فرنسا في
أسرع وقت ممكن. وهو ما تم بالفعل حيث وصلت جثامين الضحايا ليلة السبت
29 ديسمبر إلى مطار رواسي بباريس.
دخلت الجارتان الجنوبيتان السنغال ومالي على خط تعقب المهاجمين، وأعلنت
مصادر سنغالية تحديد مخبأ مفترض لهم، لكن طول الحدود مع الجارتين جعل
المهمة غاية في الصعوبة لأجهزة أمن البلدان الثلاث، خاصة أنها ليست أول
عملية "هروب إلى الجنوب"؛ فطريق الهروب إلى الجنوب سلكه فارون كثر قبل
قتلة السياح الفرنسيين. وإن كانت دروب الهروب التي سلكها مهاجمو حامية
الغلاوية وقبلها لمغيطي، أكثر استعصاء على التعقب حتى الآن على الأقل.
استمر البحث عن منفذي هجوم ألاك بتنسيق فرنسي ثلاثة أسابيع تقريبا،
لتفلح سلطات غينيا بيساو يوم الجمعة 11 يناير 2008 في القبض على
المتهمين محمد ولد شبارنو وسيدي ولد سيدنا في فندق فخم قرب مطار بيساو،
اللذين اعترفا بفعلتهما وصرحا بأنهما غير نادمين على قتل كفار حلفاء
للأمريكيين. وبعد تسليم المتهمين إلى موريتانيا باشرت السلطات القضائية
ملف القضية التي يبدو أنها لن تكون الأخيرة على ضوء وقوع البلاد وبقوة
في دائرة استهداف القاعدة المغاربية. واستمرار الاعتقالات لتشمل
مشتبهين إسلاميين كان آخرهم عبد الله ولد محمد سيدي المدرج على قائمة
المطلوبين للسعودية، وهو ما يؤشر على حجم نشاط الخلايا النائمة لتنظيم
القاعدة في موريتانيا.
لماذا تضرب القاعدة في موريتانيا ؟
يستغرب أغلب الموريتانيين اليوم استهداف خلايا القاعدة المغاربية
لبلدهم المسلم، الذي لم يرسل قوات إلى أفغانستان أو العراق، وليس عضوا
في حلف شمال الأطلسي، وهو الذي خاض منذ أشهر تجربة ديمقراطية "شفافة"؛
لم يقص من المشاركة فيها أي لون سياسي بما في ذلك الإسلاميون المنخرطون
بحرية في تشكيل الأحزاب والمشاركة السياسية. كما أن رئيس البلاد
المنتخب يواظب على صلاة الجمعة منذ توليه مقاليد الحكم، وقد فرغ لتوه
من أداء مناسك الحج، بعدما أعاد يوم الجمعة عطلة أسبوعية رسمية.
لكن صحراء موريتانيا التي استهدفت "القاعدة المغاربية" فيها حتى الآن
حاميتي لمغيطي والغلاوية العسكريتين؛ هي في الواقع ذات الصحراء التي
تحدثت تقارير إعلامية نهاية التسعينات عن أنها ربما تكون مدفنا لنفايات
نووية إسرائيلية، وهي ذات الصحراء التي تنشط فيها شركات للتنقيب عن
النفط بما فيها شركات غربية، وهي كذلك ذات الصحراء التي توقع محللون
أنها تحتضن –في حال صدق رواية سيمون هيرش- سجنا سريا أمريكيا به نشطاء
من القاعدة وطالبان. أو على الأقل تسعى أمريكا إلى أن تجد فيها موطئ
قدم في إطار حملتها الدولية على ما تسميه الإرهاب.
فالولايات المتحدة تقود منذ فترة حملة علاقات عسكرية في إفريقيا بصدد
مشروع القيادة الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم"، الذي يلقى معارضة قوية
من بعض القادة الأفارقة. كما تحاول أمريكا دخول القارة عسكريا عبر ما
يعرف بـ"الشراكة عبر الصحراء لمحاربة الإرهاب" بإشراف وزارة الخارجية
والوكالة الأمريكية للتعاون. وهو مشروع يضم فضلا عن دول أفريقيا الساحل
والصحراء، دولا أوربية مهتمة بقضايا الهجرة والإرهاب في إفريقيا. بغية
تنسيق عمليات حفظ السلام والإغاثة الإنسانية ومكافحة الإرهاب وتتبع
شبكات الهجرة السرية ومكافحة تهريب الأسلحة عبر الصحراء.
إن الحديث عن علاقات أمنية وعسكرية أمريكية موريتانية ليس بالأمر
الجديد، فطوال السنوات القليلة الماضية ظلت وسائل الإعلام تطلعنا على
مخاوف أمريكية متزايدة من تحول الصحراء الكبرى إلى فضاء لإيواء وتدريب
الجماعات المتطرفة، وقد بلغت بعض التحليلات الأكثر تشاؤما سنة 2004 حد
التخوف من سقوط موريتانيا في يد تنظيم القاعدة. كما دار الحديث عن وجود
أفراد الجيش الأمريكي على حدود البلاد الشرقية لتدريب نظرائهم المحليين
في مجال محاربة "الإرهاب" في إطار تزايد التعاون العسكري والأمني بين
البلدين.
ولقد أثارت رواية سيمون هيرش حول نقل الولايات المتحدة سنة 2006 لبعض
سجناء القاعدة وطالبان إلى موريتانيا، زوبعة إعلامية وسياسية على أكثر
من صعيد، وفتحت عيون الموريتانيين على ملف بالغ الخطورة. فالمسألة
تتعلق بسيادة البلاد، ومستقبل علاقاتها الدولية، وموقعها من الحرب
الدولية على ما يوصف بالإرهاب.
لكن القاعدة المغاربية قد تستهدف موريتانيا لسبب آخر؛ كونها البلد
المغاربي الوحيد الذي يرتبط منذ 1999 بعلاقات دبلوماسية علنية مع
إسرائيل. ورغم وعد الرئيس الجديد بعرض مسألة العلاقات الدبلوماسية بين
نواكشوط وتل أبيب على البرلمان للبت فيها، لكن يصعب التكهن بأن حكامنا
الجدد، سوف يبادرون إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية،
حتى وإن كلفهم استمرارها امتعاضا شعبيا داخليا، أو انتقادا إعلاميا
عربيا، أو استهدافا أمنيا "إرهابيا".
إن ضعف الأجهزة الأمنية والمؤسسية العسكرية الموريتانية مقارنة بجوارها
المغاربي المكتوي بنار الجماعات السلفية الجهادية، يجعلها حلقة أضعف في
مواجهة تلك الجماعات. ويجعل المواطنين الغربيين المتواجدين على الأراضي
الموريتانية، للعمل أو السياحة، لقمة سائغة للاعتداءات المسلحة. ولعل
مقتل الفرنسيين الأربعة في ألاك يمثل رسالة سياسية قاعدية إلى فرنسا
الساركوزية المنحازة نحو أمريكا.
في الاستغلال السياسي لخطر الإرهاب
ربما مثل مقتل السياح الفرنسيين صيدا ثمينا لأمن الدولة فيما لو وقع
قبل انقلاب 3 أغسطس 2005، حين كان نظام ولد الطائع يبدو متحمسا
للانخراط في الحرب الدولية على ما يسمى بالإرهاب. ذلك الحماس الذي دفع
أجهزة النظام الأمنية إلى اختراع أسطورة "حاسم" منتصف التسعينيات،
واعتقال الأئمة والدعاة والنشطاء الإسلاميين، والتضييق على بعض الهيئات
الخيرية ومؤسسات التعليم الديني.
لكن يبدو أن تعامل السلطة الحالية -حتى الآن- مع الخطر الإرهابي لم
يتسم بطابع الاستغلال السياسي الصريح في تصفية الخصوم السياسيين أو
التسويق الخارجي. وكان طبيعيا أن يلاقي هجوما ألاك والغلاوية استنكارا
رسميا وشعبيا كبيرين، من الحكومة والكتل البرلمانية، والأحزاب السياسية
بما فيها تلك المحسوبة على التيار الإسلامي، وكذا النقابات العمالية،
وعلماء الدين، كما ندد ثلاثة من المعتقلين السلفيين السابقين
بالعمليتين، وخرجت في عدة مدن موريتانية مسيرات منددة بقتل الأبرياء.
إجماع الموريتانيين على التنديد باعتدائي ألاك والغلاوية، رافقه
استغراب لموقف فرنسا التي أوصت رعاياها بعدم السفر إلى موريتانيا، وقرأ
البعض في ذلك مؤشرا على فتور في علاقات البلدين، بسبب استياء المستعمر
السابق من التقارب المتزايد بين نواكشوط وواشنطن. مغاضبة ربما تجلت في
استبعاد ساركوزي لموريتانيا من أجندة أسفاره الحافلة، وكذلك في قصر مدة
استقباله للرئيس الموريتاني التي لم تتجاوز نصف ساعة.
أيا تكن مآخذ فرنسا على رئيسنا المنتخب فقد تزامن إلقاء القبض على
المتهمين "أبو مسلم" و"أبو جندل" في بيساو مع أول صلاة جمعة له في مسجد
القصر الرئاسي الجديد، حضرها معظم أعضاء حكومته يتقدمهم وزير الشؤون
الإسلامية والتعليم الأصلي المقرب من التيار السلفي. كما نظمت في نفس
اليوم أحزاب موالية ومعارضة وهيئات نقابية ومنظمات أهلية تظاهرة ضد "الإرهاب"
في العاصمة نواكشوط.
وفي اختيار تاريخ الحادي عشر لتلك التظاهرة دلالة سياسية على الصعيد
الدولي والإقليمي، فهو يذكر بعمليات تنظيم القاعدة (11 سبتمبر، مارس،
إبريل وديسمبر ...). كما أن في استباق تكتل القوى الديمقراطية لتلك
التظاهرة بتنظيم مهرجان خاص به دلالة أخرى على تجاذبات الساحة السياسية
الوطنية. فحامل لواء تظاهرة 11 يناير هو أحد ثلاثة مرشحين للرئاسة من
قادة حزب الفضيلة –تحت التأسيس وأول المنددين بهجوم ألاك- كانوا قد
اختاروا مساندة الرئيس الحالي ولد الشيخ عبد الله، في الشوط الثاني
لرئاسيات مارس 2007؛ ضد زعيم المعارضة ورئيس التكتل أحمد ولد داداه.
وحده حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية المعارض –غير ممثل في
البرلمان- اتهم السلطة باستغلال حادثتي ألاك والغلاوية للتغطية على
قضايا أكثر إلحاحا، وتأخذ المعارضة الديمقراطية عموما على السلطة فشلها
"الصارخ" في معالجة الضائقة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها
البلاد، والتي تهيئ أرضية خصبة لنمو الإرهاب ومختلف أشكال الجريمة
المنظمة. الأمر الذي يجعل موريتانيا مكشوفة أمنيا أكثر فأكثر.
هل باتت موريتانيا مكشوفة أمنيا ولماذا ؟
إن الزخم الإعلامي الذي اكتنف الاعتداءين على الضيوف العابرين، والجنود
المرابطين؛ يجب أن يوجه أنظارنا نحن الموريتانيين إلى وضعية أمننا
المقلقة، والتي لا يمثل هذان الحادثان الخطيران سوى إحدى حلقاتها
المنفلتة.
فطيلة الأشهر التسعة الأخيرة –وهي عمر الحكومة الحالية- اقترن اسم
موريتانيا في وسائل الإعلام أكثر من مرة؛ بشبكات تهريب المخدرات
الدولية والهجرة غير القانونية، وشغب الشوارع الدامي، واليوم أفاض
منفذو هجومي ألاك والغلاوية كأس الأمن الهش. فهل باتت موريتانيا حقا
أقل أمنا من ذي قبل ولماذا ؟ وكيف عالجت الحكومة الحالية ما يجري على
الحوزة الترابية للبلد منذ توليها مقاليد الحكم ؟
إن الجريمة المنظمة تحتاج إلى توزيع للأدوار وإلى تنظيم، وتصبح مؤسسة
لها أهداف وقيادات وقواعد وأساليب. بحيث ينمو اقتصاد مواز خفي، تديره
شبكات أخطبوطية. وتتداخل مجالات الإجرام لتبادل المساعدة، كالعلاقة بين
الاتجار بالمخدرات، والاتجار غير المشروع بالسلاح وتنظيمات الإرهاب.
وقد تحتاج إلى شبكات التهجير المنظم، لاستغلال المهاجرين الجدد أو
الفارين من العدالة في هذه العمليات.
والأخطر هنا هو التزاوج الذي يحصل بين الجريمة، وبين الاقتصاد والسياسة
والتكنولوجيا، وبينها وبين الإرهاب والجماعات المتطرفة. ويخشى أن تؤدي
إزالة الحدود، وضعف رقابة الدول، وتطور أدوات الاتصال والمبادلات، إلى
ديمومة هذه الظاهرة وتعقيدها. وهو أمر يخشى أن ينطبق على منطقة الصحراء
الكبرى؛ الممتدة من موريتانيا إلى مصر عبر التخوم الصحراوية لكل من
الجزائر ومالي والنيجر وليبيا وتشاد والسودان، التي تعرف نشاطا ملحوظا
لجماعات ومنظمات وأفراد يمارسون أنواعا مختلفة من الأنشطة تبدأ من
التهريب إلى بسط السيادة الأمنية والعسكرية على بعض المناطق.
ومع هذا التواجد للمنظمات المسلحة ينتشر السلاح في المنطقة بأنواعه
الثقيلة والخفيفة، كما تنتشر العصابات والمهربون الذين يجوبون الصحراء
طولا وعرضا، فقد أصبحت هذه المنطقة ممرا مفضلا لأفواج الهجرة السرية
باتجاه المتوسط والأطلسي، ومهربي المخدرات والسلاح والسلع المحظورة،
وهو ما جعل الدول الغربية تدعو دول الساحل والصحراء إلى تشديد قبضتها
الأمنية على هذه الأصقاع السائبة.
إن القدرة المالية الفائقة للجريمة جعلت من شبكات الجريمة المنظمة قوة
سياسية خطيرة، تهدد أحيانا مستقبل المجتمعات. فقد اخترقت مواقع صنع
القرار، واستخدمت الرشوة كأسلوب للسيطرة. وهنا يتساءل كثيرون عن مصير
لجنة التحقيق الإدارية في فضيحة المخدرات بنواذيبو، وسط حديث عن توصل
أعضائها إلى استنتاجات متباينة وحساسة، مما دفع السلطات العليا إلى
تجميد الموضوع والسير نحو نسيانه أو تناسيه. فإلى أي مدى تغلغلت شبكات
الاتجار بالمخدرات في مواقع صنع القرار بموريتانيا ؟
سؤال كلفت إثارته الصحفي عبد الفتاح ولد أعبيدنا؛ حكما قضائيا بالسجن
ومنفى قسريا، ذلك أن تلك الإثارة –مع أنها جاءت متأخرة متحاملة- مست
على ما يبدو وترا حساسا، ووجهت الأنظار؛ نحو تحالف مفترض بين رأس المال
المثير ومفاصل السلطة السياسية والأمنية والعسكرية في موريتانيا ما بعد
3 أغسطس.
لن يقتصر الجدل في موريتانيا حول الصلات المفترضة بين شبكات الجريمة
المنظمة ومفاصل صنع القرار على فرضية ولد أعبيدنا تلك. وبالمثل فإن
التبعات الاقتصادية لهجومي ألاك والغلاوية قد لا تنحصر على إلغاء رالي
دكار في نسخته الحالية.
تبعات اقتصادية مقلقة
لطالما تغنت الحكومات الموريتانية المتعاقبة بجو الأمن والسلم اللذين
تنعم بهما البلاد مقارنة بمحيطها الإفريقي، ولكن انكشاف الوضع الأمني
للبلد؛ يمثل اليوم تحديا جديدا يضاف إلى القائمة الطويلة من الملفات
الصعبة المطروحة أمام السلطات الحالية.
ولا شك أن بلدا مثل موريتانيا يسعى إلى تنويع مصادر دخله المحدودة، كان
يتوق إلى اليوم الذي يصبح فيه لقطاع السياحة دور فاعل في الدفع بعجلة
النمو الاقتصادي. وغني عن القول أن موريتانيا تتمتع في هذا الصدد
بعوامل جذب سياحية متنوعة وإن كانت تعوزها الوسائل المادية والبشرية
للنهوض بسياحتها الناشئة. والتي رغم ذلك ظلت وتيرة نموها متزايدة
باطراد. حيث تتحدث بعض التقارير الإعلامية عن 80 ألف سائح يزورون
موريتانيا في العام، ومداخيل سنوية بقيمة 22 مليون يورو. فهل سيمثل
هجوم ألاك رصاصة الرحمة على السياحة الموريتانية ؟
يمثل الإرهاب تهديداً كبيراً بالنسبة للسياحة، على اعتبار أن الحركات
الإرهابية تختار مهاجمة مصادر العملة الصعبة لدولة ما بهدف زعزعتها؛
حيث يسعى الإرهابيون من خلال استهداف السياح أو المواقع التي يرتادونها
إلى إخافتهم حتى لا يعودوا مرة أخرى إلى البلدان المستهدَفة. وهكذا
تجلت تبعات هجومي ألاك والغلاوية بحدة في إعلان منظمي رالي دكار 04
يناير 2008 إلغاء نسخته هذه السنة بسبب المخاطر الأمنية في موريتانيا
خاصة بعد نصيحة الخارجية الفرنسية مواطنيها بعدم زيارة موريتانيا. إذ
يبدو أن منظمي السباق لم يقتنعوا بتطمينات الداخلية الموريتانية
وتعهدها بتجنيد 4000 آلاف عنصر أمن للغرض. فبلد لم يفلح في القبض على
ثلاثة مهاجمين نفذوا اعتداء بشعا بالرصاص الحي وفي وضح النهار على أهم
محور للنقل، ثم قطعوا 60 كلم على الطريق بين ألاك وبوغي، ربما لا
يستطيع حماية 2500 من المتسابقين والمنظمين يجوبون صحراء شاسعة باتت
مرتعا خصبا لشبكات الإرهاب والجريمة المنظمة.
وإذا علمنا أن معظم السياح الذين يقصدون الصحراء الموريتانية من
الفرنسيين يمكننا توقع تراجع صناعة السياحة الوطنية مرحليا على الأقل
هذه الصناعة التي تمثل على تواضعها مورد رزق للكثير من المواطنين
ومصدرا للعملة الأجنبية. ورغم إعلان قرابة العشرين من وكالات الأسفار
الفرنسية عن تسيير رحلاتها إلى موريتانيا كما كان مقررا، متجاهلة نصيحة
الخارجية الفرنسية. لكن الأمر المؤكد هو خسارة البلاد للحركية
الاقتصادية المصاحبة لرالي دكار هذه السنة على الأقل، وهناك من يتحدث
عن بدائل لمسار الرالي في أمريكا اللاتينية مثلا.
لقد وضع هجوما ألاك والغلاوية مسألة الأمن في موريتانيا أمام تحدي
جديد، ومن المفارقات أن يقعا والحكومة لما تفق بعد من نشوة "نجاحها
المالي والإعلامي" في منتدى باريس للمانحين. واليوم يأمل كل
الموريتانيين أن لا تحد الاعتداءات الأخيرة من قدرة بلادهم على اجتذاب
الاستثمارات والقروض والهبات الأجنبية.
إن التحدي الأمني الجسيم لاعتدائي ألاك والغلاوية، يجب أن لا يصرف ذهن
السلطة في موريتانيا عن معالجة متكاملة لخطر العنف والإرهاب تأخذ بعين
الاعتبار أبعادهما الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. دون استغلال داخلي
قد يعكر جو الانفتاح السياسي لموريتانيا ما بعد 3 أغسطس، أو توظيف
خارجي قد يخدش سيادة الدولة.
أ. سليمان ولد حامدن
محاضر مساعد – جامعة سبها – ليبيا
Soulaymane77@yahoo.fr
أوباري
في: 18 – 01 – 2008