الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة    عندما يستورد عسكريو موريتانيا حيل جنرالات الجزائر : تحليل لما يجري في نواكشوط   -الحدث- في المؤتمر الوطني لحزبه : زعيم "التكتل" يشجب تدخل العسكر في السياسة و يشرح رؤيته الاصلاحية -الحدث- خلاف الرئيس و الجنرالات أكذوبة : محللون يكشفون الأهداف الحقيقية من "المسرحية"   -الحدث-    مجلة فرنسية : "اير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز" -الحدث-    مصادر موريتانية : "ساعة رحيل ولد الشيخ عبد الله أزفت" -الحدث-     "جون أفريك ": لا أحد يعتقد ان ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا -الحدث- كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف -الحدث- القضاء الموريتاني يحقق مع متهمين بتهريب مخدرات  -الحدث- ولد حننا ينتقد تشكيل "حكومة المتناقضات" في موريتانيا

 

Free Syria :::: سورية الحرة

 


 قراءة في كتاب

"عروة الزمان الباهي" ، بقلم محمد فاضل الامام



 
المرحوم باهي محمد


 

إن الموت الذي أخذ يعصف قويا مستبدا بأعداد كبيرة من جيل الباهي لابد أن يقدم درسا نموذجيا لما يجب أن يعمل الآن ... وقيل فوات الأوان. فالفسحة تضيق والأرض تميد تحت الأرجل، أما انتظار الوقت المثالي الأكثر أمنا للإدلاء بالشهادات وتدوين التجارب فإنه تعويل على السراب، كما أن العزوف عن قول الحقيقة كالمساهمة في إخفائها أو التواطؤ عليها، ومن هنا تترتب على كثيرين مسؤوليات لابد أن ينهضوا بها، والا أصبحوا من النادمين.

بهذه الكلمات يقدم عبد الرحمن منيف كتابه المعنون "عروة الزمان الباهي" الصادر في طبعته الأولى عن المركز الثقافي العربي سنة 1997 في 192 صفحة من الحجم المتوسط وهو كما يرى الكاتب ضرورة فرضها الموت وأملاها الغياب لرصد ومتابعة حياة عارمة لشخص استثنائي يدعي باهي محمد. ولد الباهي في خيمة من خيام قبيلة ايدواعلي في منطقة يحدها غربا المحيط الأطلسي وجنوبا نهر السنيغال وعند منهل من مناهل الحياة العذبة غير بعيد عن النباغية في سنة1930 .

لقد صادف يوم مولده وفاة أحد أقربائه المباشرين، محمد فال اباه ابن باب بن احمد بيبه الذي كان عالما جليلا وعلما مشهورا. وحسب العادة سمي الوليد باسم الراحل تيمنا وتفاءلا. وسيحتفظ بهذا الإسم طويلا لكن حين يتقدم إلى مسابقة في جريدة العلم المغربية وينجح في هذه المسابقة يقع خطأ في كتابه الإسم إذ بدل أن يكون محمد فال اباه

.يكتب محمد باهي، ويروق الإسم الجديد للمحرر الناجح فيتخده إسما له، ويظل حاملا له حتى النهاية ولا يعرف إلا به. هذا الطفل الذي ولد في تلك الخيمة سوف يتلقى العلوم بسرعة ويذكر أحد هؤلاء الأقارب أن باهي حفظ القرآن ولما يبلغ السابعةبعد. إلا أن الموت سيغيب الأبو
ين، وبالتالي سينتقل الإبن للعيش في كنف خاله الذي لم يكن سوى حرمة ولد ببان الزعيم الوطني المعروف.

ولأن باهي بدأ بحزب الوفاق، وبعد ملاحقة هذا الحزب وحله سينضم إلى الحزب الجديد، النهضة، وحين يلاحق الحزب الجديد وأعضائه سوف يضطر إلى المغادرة والالتحاق بجيش التحرير، إنها رحلة مليئة بالمصاعب والمصاعب من دكار إلى جنوب المغرب.وباعتبار أن معركة الاستقلال ذات شقين، الأول على أرض المعركة، والثاني في قلب باريس، من أجل حشد أكبر للقوى المؤيدة لحق الشعوب في تقرير مصيرها لذا اختارت الحركة الوطنية مجموعة من المناضلين الذين امتحنوا جيدا في جبال الأطلس، وفي حروب شوارع المدن، كي يكون لها في ضمير وعقل الآخر، واختير الباهي واحدا من أولئك ،وفي باريس بالتحديد، وهنا بدأت رحلة جديدة جاء هذا البدوي من أقصى حدود الوطن من ضفاف نهر السيغال هذا الشئ مؤكد، أما الغير مؤكد فهو كيف حفظ هذا الكم الهائل من الشعر، خاصة الجاهلي وأيضا كيف حفظ القرآن نصا ومعنى؟

ومع ستينات القرن المنصرم وربما لأول مرة يشهد شارع الحمراء في بيروت موريتانيا يحول بكثير من الثقة ، وقد ارتدى ملابسه المحلية والأبتسامة تفترش وجهه كله. فقد كان منظره يثير الإهتمام والتساؤل: من هذا الرجل ؟ ماذا يريد؟ ولماذا هو في بيروت؟ بعد التجوال في شارع الحمراء اشترى جميع الصحف، واقتحم الهورس شو الذي كان مكان الثلاثي للنخبة المثقفة البيروتية.
إنها الزيارة الأولى للباهي لبيروت وربما هي فاتحة علاقاته بالمشرق العربي بعد أن كان يعرف من خلال رسائله الأسبوعية في صحيفة السفير أو تعليقاته في إذاعة صوت العرب أو تردد اسمه على ألسنة بعض الزعماء مثل المهدي بن بركة.

والباهي الذي قضى في الحواضر أضعاف المدة التي قضاها في البادية وقضى في العاصمة باريس، أضعاف الوقت الذي قضاه في أي مكان آخر ، كان يحمل معه أينما ذهب وفي أي مكان استقر "باديته" كان يحملها كهوية.. كتميمة.. كشئ لا يمكن أن يفارقه أو يفترق عنه. كان يحمل معه العجاج والصوت العالي، وذلك
الوجه الصريح الأقرب إلى وجوه الأطفال وبالتالي يمكن أن يصنف مثل أجانب كثرين ، وغالبا ما يصنف بين حدين متباعدين، بدءا من كوبا وانتهاءا بأندنوسيا لكن ذلك لا يدوم طويلا فهويته العربية البدوية .تفضح وتشى دونما خطأ ، ربما من تلك البساطة خلال دقائق، أن تبني جسرا مع الآخرين .الأمر الذي يعجز عنه الكثيرين وربما تلك الصراحة، الأقرب إلى الاقتحام ، والتي لا تخلو من عفوية، حين يسأل وحين يجيب.

ومع فرنسا الديغولية بدأت الثورة الجزائرية تتجه نحو النصر وهنا سيعيش الرجل كربة جديدة تختلف كثيرا عن مسيرته السابقة فهو الذي تعود على العمل السري والمعارضة وكان فمه يمتلئ بتلك الكلمة المدوية : لا ، خصوصا مع التحاقه بالرفاق في الجزائر الذين انتزعوا الانتصار.
ولأن الباهي لم يتعود إلا الصراحة والوضوح ،ولأنه لا يريد أن يكون جزءا من قوة تتآمر من أجل تعزيز مواقعها ، تمهيدا للقفز والحلول مكان الآخرين فقد شعر بالغربة، بعدم القدرة على الانسجام وثانيا بعدم القدرة على الاستمرار، في هذا المناخ عاد الباهي إلى باريس وكانت تلك العودة ، كما

افترض استراحة، هدنة بين حربيين، لابد أن يجد بعدها ، مكان أكثر راحة ، وأكثر جدوى لكن الشئ المؤقت ، كما يقول نابليون، قد يصبح الشئ الدائم، وهذا ما حصل.
أما الآن فلا حاجة لكلام كثير حول ما حصل في الخامس من حزيران 1967 ، فسوف تنقضي سنوات قبل أن يندمل ذاك الجرح وهذا ما وقع للباهي.

بكى إلى درجة التلف، شتم إلى درجة البذاءة ،تعلل بحجج وأسباب قد ترضى الذات في اللحظة لكن تمزقها وقد تدموها في اللحظات التالية.
سأل: كيف يمكن لأمة بهذا العدد، بهذه الإمكانيات، بهذه المساحة، وأيضا بمناخ التحدي والضجيج أن تهزم بهذه السهولة ؟ لماذا حصل كل ذلك ولم ينقلب العرب على أنفسهم وعلى واقعهم ليصبحوا خلقا جديد ؟

كتب بعد سنوات طويلة وفي معرض موضوع أخر، لكن حزيران ليس بعيدا، "إن أوقات المحن هي التي ترفع النخبة عادة إلى إعادة النظر في الكثير من المسلمات والبديهيات "وتحت خيمة القصدير العربية الملتهبة، كانت أركان العالم الأخر ترتج تحت وقع الأمل بالتغير.

الفيتنام تنتصر يوما بعد أخر على أمريكا. أمريكا اللاتينية بعد هزيمة الولايات المتحدة في خليج الخنازير، تتمرد وتحاول أن تطرد اليانكي من حدائقها الخلفية.إفريقيا ترسم حدودها المستقيمة بعد أن
أخذت بالتحرر من الاستعمار القديم. حتى أوربا القارة العجوز، بدأت تتفتح فيها أزهار من التمرد الجديد.

في هذه الأثناء كان اسم غيفارا يتردد، مثل قصائد الحب، همسا وبين الجموع، وكان يشغل الأمل حتى في القلوب المطفأة، ويفتح الأفق رحبا على احتمالات لا نهاية لها.
ولأن الباهي ظل في باريس بعد الحزيران، واكتوى بألمه الموجع وهو هناك، خاصة من عيون الغرباء المتسائلة والشامتة، فقد فضل الغرق في الحياة الفرنسية، خاصة حياة اليسار الفرنسي. حين كان الباهي يستعيد ذكرى تلك الأيام وخصوصا ربيع باريس 1968 المجيد كانت عيناه تمتلئان بالفرح، وتعطي على وجهه موجة من الغبطة تصل حد النشوة.

لم يكن قائدا بارزا في تلك الأحداث، لكن كان عنصر فاعلا وربما مؤثرا.
لقد افترض خلال تلك الثورة أنه لا يمكن التغلب على أوجاع حزيران إلا إذا ألقي بنفسه في أحضان ثورة تطهره من الآثار التفسية للهزيمة ثم تهيئه للمراحل القادمة. ورغم أن غيفارا كان بعيدا عن باريس ذلك الوقت، فقد كان موجودا بكثافة في عقول وضمائر، وأيضا في حناجر، ثوار الكومنة الجديدة، كان الكثيرون يقتدون ليس بأفكاره وحدها، بل بشكله أيضا، ولم يتردد بعضهم في أن يتسمى بإسمه.

ومع غيفارا : دويريه، كاسترو، أراغون، بابلو نيرودا، ثم حشد من شهداء الثورات المغدورة، ومن فوضويي نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن بالإضافة إلى أسباط متطرفي العالم الذين كانوا أقرب إلى الفنانين منهم إلى الثوار كانت تنعقد كل ليله عشرات الحلقات لتمارس أحلامها حول مستقبل العالم، وكان الباهي حاضر في تلك الحلقات، باعتباره أحد ممثلي العالم الثالث، ومن أصحاب السوابق في حمل السلاح في أكثر من بلد مغاربي، كان يسهم في النقاشر والحلم وبدا كأنه أخذ يتعافي من اليأس.

الآن توشك الرحلة علي الانتهاء، لقد اقترب القطار من محطته الأخيرة، صحيح الباهي هيأ نفسه، منذ وقت لا يدريه لفراق باريس، وهكذا امتدت به الأيام،وهكذا تتابعت حتى شباط 1996.

لكن أغرب ما في رحلة الحياة هذه أن عقله الباطن قرر وربما بطريقة لا تخلو من مغزى، أن يتوقف عند السادسة والستين فلا يبلغ السابعة والستين، وأن يكون اليوم الأخير لهذه الحياة هو الذي يسبق الخامس من حزيران .لم يكن يريد أن يشهد مرة أخرى الهزيمة ، وليقول أيضا إن في هذه الحياة أشياء كثيرة تستحق أن تعاش غير الهزيمة. قصة قوية ومأثرة حقا... تنتظر من المخرج المبدع عبد الرحمن سيساغو أن يجعل منها عملا سينمائيا، فلتشابه مسار المخرج وهذا المثقف محطة للتذكر.



محمد فاضل ولد الإمام
باحث في العلوم السياسة –المغرب
OULDLIMAM @hotmail.com


 


 

 

 

  

 

     

        

   
 

 

 

  

الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة

كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف

رئيس موريتانيا يسود و لا يحكم، بقلم الخليل ولد مأمون

"جون افريك" : لا أحد يعتقد أن ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا

مصادر موريتانية : الخلاف بين الرئيس و الجنرالات أكذوبة

مجلة فرنسية : آير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز

موريتانيا، جمهورية اسلامية تنخرها المخدرات

موريتانيون في امريكا ينتقدون الرئيس و يهاجمون معاونيه

صحيفة مغربية : العقيد فال ربما يكون متورطا في تهريب المخدرات

نيويوركر : موريتانيا تحتضن سجنا سريا لسي آي ايه

قصيدة : لا، لم تمت يا شيخنا

 

 

  اطبع