"أنا أقول
لكم إن الذين يخططون لأسلوب "جزائري" أو "تركي" يخططون فقط لحرب
أهلية.. سترون ذلك.."
عندما زارتني الفنانة الألمانية "أرسولا أسميث" في مكتبي ونحن عند
الباب قلت لها انظري إن مكتبي مليء ببيوت العنكبوت التقليدية والحديثة،
ففي كل زوايا المكتب تحقق العناكب الضعيفة ما عجز عنه فقراء بلدي فهي
تبني بيوتا لنفسها، ومن جهاز الكمبيوتر هذا يمكنك تصفح الانترنيت
(الشبكة العنكبوتية الحديثة).
لم تتمالك المرأة الألمانية نفسها فضحكت حتى دمعت عيناها وقالت: "هذا
ما جعلني أحب الموريتانيين"..
بدت لي مهتمة كثيرا بالعادات والتقاليد الموريتانية. وكان اهتمامها
بالموسيقى التقليدية والرقصات التراثية بالغا..
كانت هذه الفنانة ترسم كل شيء تقع عيناها عليه.. لم أسلم من ريشة ضيفتي
وزميلتي.. فتشكل كائن آخر على الورق من ألوان زيتية ومائية يحدق إلى
الأفق في غياب تام عن الواقع.. هناك علاقة صوفية بيني وبين الأفق..
وأنا دائما أنظر إلى الأعلى متأملا وهو ما يسمح للآخرين بتوسيع الحفر
في طريقي.. لكنني كثيرا ما أسلك الطريق غير المتوقع وأنجو بجلدي..
ولذلك السبب كانت لدية نظرية عن "أمن الشاعر" وهو أن يغفل كل شيء ولا
يبالي ويترك الأقدار تتولى حمايته.. إن لم يفعل ذلك فسوف يعيش في جب من
الخوف ويتعرض لنوبات اهتزازية كثيرا ما تنتهي بتسليم عنانه لخفر
السواحل الفكرية..
الشاعر في بلدي من السهل تجييش الشعب ضده ليصبح العدو الأوحد والخائن
الرذيل.. بمجرد عبارة عن شخصية هنا أو هناك تتحول القبيلة إلى (دولة
بوليسية) تقمع غيرها من أبناء البلاد.. سيشكل شيخ القبيلة جيشا من
الشبان القادمين من الجامعة المحلية والجامعات العالمية ويهاجمك باسم
شرف القبيلة وحماية صقورها من "الأوباش" الذين يكتبون بأمر قبيلة أخرى
أو مافيا سياسية معادية...
عانيت من القبيلة في الفترة "المحيطية"، وفوجئت بأطباء ومهندسين يكشرون
عن أنيابهم ويهددون بالقتل انتقاما.. وجاءت فترة التهديد ب"حرق البيت
ومن فيه".. وفي الفترة "الجهينية"، أقسم حامل دكتوراه على قتلي
بالرصاص.. ثم جاءت فترة "مايو".. ولم يكن أحد يعجبه ما أكتبه باستثناء
الذين استضعفوا في الأرض.. طلب مني أن لا أستقبل المكالمات الهاتفية من
جماعات المعارضة في الخارج خاصة بدي ولد أبنو..
هل تعرفون ماذا فعلت في كل هذا؟.. لم أرفع صوتي ضد التهديد.. ولم أحاول
أن أجعلن من نفسي بطلا لأنني لا أومن بالبطولات الكارتونية.. كنت أغلق
سماعة الهاتف.. أو أداعب أحدهم بالقول (إذن ستكون أول من يقتل عنترة)..
كنت ألتزم الصمت وأواصل استقبال أصدقائي على الهاتف وعبر البريد
الألكتروني وأنشر ما أراه صوابا وتراه السلطة والقبيلة خطأ.. أنا في
دولة رؤساء القبائل فيما يتلقون مرتباتهم من المباحث على شكل "حش"
للحيوان، أو منح لأبنائهم أو وظائف..
أما القيادات السياسية (الموظفة) فلم يتعب الأمن في تجنيدها إنها جميعا
مشتركة في نقطة ضعف "الجنس الآخر".. ما إن يرتخي الحزام عن الخصر، أو
يمتلأ جفن بالبريق حتى تكون أسرار الرفاق وغير الرفاق قد أصبحت في مهب
الأمن.. إن ابتسامة جميلة كافية لازدياد إدارة الأمن بمولود جديد..
لذلك كانت هذه العائلة هي الأكثر خصوبة.. أي لا يرجي لها عقم...
أما فتح المجال لشيكات هنا أو ابتلاع مشاريع هناك.. ليصمت الكل إلى
الأبد فتلك لعبة اشترك فيها كل موظفو ولد الطايع إلا من رحم ربك..
انتهى الأمر إلى "كوكتيل" اجتماعي غريب يتبادل فيه رجال الأعمال
والمسؤولون السامون الأدوار على العشيقات وحتى على الزوجات بفضل "الجنس
الثالث" الناشط في تجارة المنكر..
ومن أطرف ما لاحظته أن هناك سيدة جميلة جدا (بمعايير القرون الوسطى)،
وكانت هذه السيدة تصبح عشيقة لكل من يتولى مفوضية الأمن الغذائي.. وما
إن يعفى مسؤول من وظيفته حتى تقيل تلك السيدة"عشقه"، ويصبح المسؤول
الجديد يوسف في البئر أو على خزائن المفوضية..
كنت غبيا حقا عندما اكتشفت بعد ذلك أن هناك نساء معينات يحتكرن العلاقة
الغرامية مع المسؤولين الذين يتولون قطاعات مدرة معينة... إذن البنك
المركزي من نصيب (فلانة)، والدمج من نصيب (فلانة أخرى)، و(المالية) من
نصيب (فلانة ثالثة).. وليست هناك أي امرأة تستطيع أن تخترق الاتفاق حتى
ولو تعلق قلب ذلك المسؤول بها فعليها أن تصده إذا لم تكن مستعدة ل"أم
المعارك"..
الرجل الموريتاني بطبيعته يولد في بيئة مكبوتة، وعندما يجد الدلال
والغنج والتصنع الأنثوي.. العفوية الأخلاقية المنالة بالتدريب.. يسقط
سريعا.. ينسى كل شيء.. يضع ميزانية المشروع أو الإدارة رهن سرة عزة أو
بثينة.. فليذهب الشعب الفقير إلى الجحيم.. من يسأل عن "مريامه" التي
تحتاج لرفع إلى الخارج للعلاج.. من يسأل عن "حرطانية" فقيرة لديها أحد
عشر (كوكبا) طفلا جائعا...
"الفلكة"، و"النشاء"، و"التمر" و"الشاي" وأشرطة "الهول".. أبرز مفسدات
الرجال.. أبرز مخدرات الواقع المرئي.. لا أحد يصمد أمام هذا الخماسي
الرهيب.. هو قنبلة موقوتة تفجر أعتى الحصون..
عندما قامت النخبة الأمنية والسياسية (الماضية /الحالية) بسجن ولد
الددو في مستراح، وبدأت تضرب النساء الحوامل أثناء طلق الولادة وهن في
سجن من غرفة ضيقة.. عندما رأيت وكلاء الشرطة ينزعون حجاب سيدة ويقومون
بضربها بأرجلهم وصفعها في الشارع العام لأنها تضع الحجاب.. عندما سمعت
أن مفوضي الشرطة الشجعان ينتفون لحى العلماء ويعرونهم في المفوضيات
ويصفعونهم ويسبون نساءهم .. عندما رأيت وكلاء الشرطة يعذبون الأطفال
الصغار لأنهم يحفظون القرآن.. وكانت هناك مشاهد أخرى في سهل واد الناقة
حيث يدفع الجنود المرضعات حتى يسقط الرضع..
عندما رأيت كل وأكثر من ذلك.. وأخيرا سمعت وزير الإعلام ولد حمود يصف
ولد الددو ب "علم الشيطان"، ووزير الداخلية ولد محمود يوزع شهادات
الإرهاب ويطلع على الغيب..
عندما رأيت ذلك أغلقت مكتبي علي وبكيت كثيرا.. وفي مساء ذات يوم قررت
أن أزور عائلة ولد حننه، العائلة التي لم أنقطع عن زيارتها.. عندما
استقبلتني العائلة بكل ترحاب وكرم.. انشغلت بصورة الطفل القابع في
الزاوية فيما كان والده يقبع في الأغلال بالسجن.. لذلك لا تسألوني
لماذا خرجت مادحا ولد محمد فال ومجلسه العسكري.. لا يهمني أن أرى
اللصوص هنا وهناك، بل عادوا منتخبين من الشعب الموريتاني.. عادوا
ليدخلوا البرلمان (روح الأمة).. لا بأس.. يقال إن الشعوب تنال القيادات
التي تستحقها..
ارتخت القبضة.. لكنني أقول لكم إن السكين لا يمل الجرح.. ولأن ماء
العود من حيث يعصر، والأمور تبنى على أساساتها، فلم يكن باستطاعة أحد
أن يغير مجرى التاريخ أكثر مما تغير.. الأقوياء مستفيدون من الفساد،
والضعفاء لا يملكون إرادة الإصلاح.. وإذا كان نهر الحب عند نزار قباني
لا يملك تغييرا لمجراه، فكل المجاري في بلادي ملك لنهر الفساد.
أهل نواكشوط، منشغلون هذه الأيام عني وعنكم بشيء واحد "الحكومة
المقبلة".. من أسخف ما سمعت أن "الميثاق" يمن بفضله على الرئيس
المنتخب، ويدعي رجاله أنهم هم من منح ولد الشيخ عبد الله الفوز برئاسة
البلاد. ولذلك فحرام على الرجل أن يشكل حكومة من التكنوقراط.. حكومة
إدارية تبعد عنا سارقي المال ومفسدي الأخلاق..
وهم (الميثاقيون) يدعون أنهم قادرون على توفير الأغلبية البرلمانية
والاستقرار للبلاد.. أنا أتساءل ما هي فائدة "الأغلبية البرلمانية" على
ولد الطايع.. وهل وفرت الأغلبية الرئاسية له الاستقرار؟..
إشراك المعارضة ليس حلا.. الحل هو في حكومة غير سياسية.. فقراء الشعب
الموريتاني ملوا "الهياكل" وملوا "السياسة"، يريدون "حكومة خدمة" لا
"حكومة وليمة".. التغيير المراد ليس تغيير أشخاص بل تغيير واقع.. ذهب
ولد الطايع.. لكن أدوات الفساد والتعذيب لا تزال باقية..
الحل بسيط جدا.. ولد الشيخ عبد الله في مأمن من انقلاب عسكري.. "بأي
شرعية يأتي انقلاب جديد؟"..الرجل منافسوه ومساندوه سواسية في الاعتراف
بشرعيته.. إذن.. فبإمكانه أن يفعل كل شيء..
بعضكم سيقول "ماذا عن المطبخ العسكري؟".. هذا السؤال وجيه.. أنا أقول
لكم إن الذين يخططون لأسلوب "جزائري" أو "تركي" يخططون فقط لحرب
أهلية.. سترون ذلك.. كل مشاكل موريتانيا جاءت من "الجيش".. عفوا من
"ضباط الجيش".. الذي قمع، والذي زور، والذي نكل، والذي هجر، والذي جعل
بين الموريتاني وبين لونه "معركة".. هم ضباط الأمن والجيش...
إذا كان ضباط المجلس العسكري الذين جاؤوا ب الأربعاء "الأغر".. خافوا
على "مرحلة" معينة فلا يمكن أن يخافوا إلى الأبد على المستقبل..
ما هي المساحة التي سيبتعد الجيش بها عن السلطة؟.. سؤال "مؤرق"..
الإجابة الأهم "ما هي المسافة التي سيبتعد بها المواطن الموريتاني عن
الفقر، وعن "الموت الاجتماعي" الثلاثي الأبعاد؟.. أظن أن على الساسة
التأمل كثيرا في هذا السؤال البسيط، والابتعاد قدر الإمكان عن "الأسئلة
المنفوخة"...
لا شك أن طرفا في الساحة الموريتانية يحسب الزمن ب"الهجري"، والطرف
الآخر ب"الميلادي".. وكلكم يعرف أن "الرقم" معجزة في اللغة العربية..
ومهما يكن مما تعدون، وما تنجمون، فإن أملي أنكم ذات يوم ستفقهون..