كشفت نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية عن هشاشة ما يسمى الطبقة
المتنورة في بلادنا، بمن فيها العلماء والجامعيون وأصحاب الكفاءات
العالية والمرشحون السابقون للرئاسة ممن كانت برامجهم الانتخابية
شاملة، وكانت رؤيتهم للمستقبل ثاقبة، على الأقل أيام الحملة
الانتخابية..
هؤلاء المرشحون السابقون –أو جلهم على الأصح- لم يضيعوا لحظة واحدة قبل
الهرولة إلى الرئيس المنتخب وتذكيره بالدعم الذي وفروه له في ما بين
الشوطين، عله يكافئهم مقابل ذالك، منصبا وزاريا أو مكسبا ماديا..
***
غير بعيد عن المرشحين الذين هرولوا نحو الرئيس المنتخب، تضيق ردهات
القصر هذه الأيام بالنواب والشيوخ المستقلين، ورؤساء العشائر، وقادة
تيار الميثاق.. والجميع في الهم سواء.. يخطبون ود الحاكم الجديد،
ويبحثون عنده عن دين مستحق! بعد أن ساندوه وبايعوه وشايعوه في ساعة
العسرة كما يحلوا لبعضهم أن يسميها..
هؤلاء كالذباب يجتاحون الموائد، والطاولات، والمقاهي، والممرات الضيقة،
حيثما كنت تلقاهم في كل زاوية، يتربصون، يتهامسون، ويتآمرون أيضا..
والضحية لا بد أن يقع إن لم يكن اليوم فغدا..
***
بين المرشحين السابقين وقادة الميثاق وشيوخ القبائل ومشاييخ الطرق يضيع
ما تبقى من الوطن، نهبا وسرقة وعطايا وهبات.. فعندما ينزل العملاق صاحب
القامة السامقة إلى ما دون الحضيض يصبح قزما في تفكيره وفي نظرته
القاصرة التي لا ترى إلا الغبراء التي تكاد تلامس أرنبة أنفه، مهما
تسامقت قامته..
من هؤلاء من كان يفكر في خلاص البلاد، وقيادتها نحو الرقي والتقدم،
كانوا يخطبون ود الناخبين ببرنامج انتخابي وطني وطموح، كانوا يتحدثون
عن معاناة الحزانى والمحرومين في الأرياف وأحياء الانتظار.. وكانوا..
وكانوا..
وبعد أن تبين حجمهم الحقيقي المتناهي في الصغر، تنازلوا عن الطموح الذي
كان أكبر من أحجامهم الميكروسكوبية، ونزلوا إلى حيث يجب أن يكونوا، تحت
نعال الحاكم الجديد، يلعقون أصابع الخدم، ويتمسحون بأحذية حراس القصر،
طمعا في الحصول على منصب متواضع تواضع النتائج الانتخابية التي حصلوا
عليها يوم عرتهم الجماهير وكشفت سوءاتهم التي لن تحجبها المناصب ولا
الامتيازات.
***
أحدهم قال مرة إن موريتانيا من أغنى وأقوى الدول، وإلا لما بقي منها
شيئ في ظل النهب المنظم والسطو في رابعة النهار الذي تمارسه مافيات
السلطة ورجال الأعمال على خيرات هذا البلد منذ استقلاله وحتى اليوم..
والآن أدركت أن الرجل كان محقا، وأدركت أيضا أن الوطنيين منا يستحقون
علينا أن نقرأ على أرواحهم الفاتحة، فهم ميتون رغم شخوصهم الشاخصة، إذ
لا دور ولا مكان لهم في هذا الركن القصي الذي يسمى مجازا "دولة"
موريتانيا، والذي أصبح ملكا مشاعا، يوزعه من لا يملك على من لايستحق,
.
سيدي محمد ولد ابه- موريتانيا
sidimoha@maktoob.com