الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة    عندما يستورد عسكريو موريتانيا حيل جنرالات الجزائر : تحليل لما يجري في نواكشوط   -الحدث- في المؤتمر الوطني لحزبه : زعيم "التكتل" يشجب تدخل العسكر في السياسة و يشرح رؤيته الاصلاحية -الحدث- خلاف الرئيس و الجنرالات أكذوبة : محللون يكشفون الأهداف الحقيقية من "المسرحية"   -الحدث-    مجلة فرنسية : "اير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز" -الحدث-    مصادر موريتانية : "ساعة رحيل ولد الشيخ عبد الله أزفت" -الحدث-     "جون أفريك ": لا أحد يعتقد ان ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا -الحدث- كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف -الحدث- القضاء الموريتاني يحقق مع متهمين بتهريب مخدرات  -الحدث- ولد حننا ينتقد تشكيل "حكومة المتناقضات" في موريتانيا

 

Alhadath :::: الحدث

 


موريتانيا بين انقلابين، بقلم سليمان ولد حامدن




علم موريتانيا


 

ربما لم يحن بعد الوقت المناسب، ولم تتهيأ الظروف الملائمة، لإجراء تقييم شامل لأسباب ونتائج انقلاب 8 يونيو 2003. ولكن ذكراه الرابعة قد تستدعي منا قراءة جديدة لتلك الأحداث التي هزت البلاد والعباد، ودقت ناقوس خطر أنذر بعودة الانقلابات العسكرية، بعدما ارتدى نظام ولد الطائع ذي الجذور الانقلابية؛ حلة مدنية منذ مطلع التسعينيات.
فلم تمض سنتان على تلك المحاولة الفاشلة حتى انقلب عقيد آخر ورفاق له على رئيسهم وولي نعمتهم، وأعلنوها مرحلة انتقالية سريعة، توجت باستحقاقات انتخابية، أفرزت مشهدا سياسيا جديدا في موريتانيا. فأي علاقة بين الانقلابين، في بلد الانقلابات العسكرية والتقلبات السياسية ؟

8 يونيو 2003؛ صرخة في زمن الهمس

لم يستغرب الكثير من المتابعين؛ السرعة التي أحبطت بها المحاولة الانقلابية ليومي 8 و9 يونيو 2003 وعودة ولد الطائع إلى قصره الرمادي في قلب العاصمة نواكشوط. لكن الذي ربما فاجأ البعض هو الطابع التراجيدي لمشاهد الانقلاب، وفرار الرئيس الأسبق من قصره تحت نيران المدفعية، وقذائف الدبابات.
بحكم طابع وتوقيت تلك المحاولة الانقلابية يمكن وصفها بأنها كانت "صرخة في زمن الهمس"، فقد حملت في شكلها نزق الثوار من كوادر وفدائيي التحرر الوطني، رغم إصرار البعض على أن يلبسها حلة التذمر جراء تردي الأوضاع المادية لغالبية الجيش الموريتاني.
صحيح أن السنتين السابقتين للانقلاب الفاشل؛ شهدتا جفافا وقحطا شديدين فاقما الوضعية الاقتصادية لغالبية الموريتانيين. وصحيح كذلك أن وتيرة ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية تسارعت بشكل صاروخي في تلك الفترة بالذات، وأن الهوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون في المجتمع الموريتاني؛ اتسعت بشكل مذهل خاصة في نواكشوط والمدن الكبرى، وبين المدن والأرياف.
ورغم أن البلاد تلقت الكثير من القروض والتمويلات، واستفادت آنذاك من إعفاء نسبة هامة من ديونها الخارجية. لكن كل ذلك لم ينعكس في شيء على الظروف المعيشية والتفاصيل اليومية لحياة غالبية الشعب.
إن في صور الانقلاب الفاشل حضور قوي للبعد الاقتصادي، أو هكذا بدت الأمور، ألم تكن أعمال نهب المؤسسات الحكومية من طرف الدهماء والسجناء المنفلتين تعبيرا عن آثار ذلك الحيف الاجتماعي الكبير ؟ وهل كان الانقلابيون سوى ضباط مقالين أو متذمرين أو جنود مسحوقين ؟ ثم من يكون الذين تظاهروا فرحا بفشل الانقلاب ؟ ألا تشي سياراتهم الفارهة، ووجوههم الناضرة بمستواهم المادي المترف ؟
لكن مع ذلك؛ لو حاولنا تفسير ما حدث في نواكشوط صبيحة الأحد الثامن من يونيو 2003 من منظور اقتصادي أو اجتماعي فقط؛ لكان تحليلنا قاصرا وغير مكتمل. فذلك التمرد؛ لا يمكن فصله عن سياقه السياسي الداخلي وكذلك الخارجي، فقد راكم نظام ولد الطائع مواقف وخطوات سياسية، ولدت غضبا وامتعاضا شديدين لدى غالبية الموريتانيين، كالتطبيع مع إسرائيل مقابل قطع العلاقات الدبلوماسية مع العراق، وكذا الموقف السلبي للحكومة وإعلامها تجاه انتفاضة الأقصى وغزو بغداد، فضلا عن اعتقال الأئمة والعلماء والسياسيين.
لقد فاض كأس الرأي العام الشعبي آنذاك في شكل مظاهرات واعتصامات متتالية، رغم تضييق الأجهزة الأمنية الخناق على مختلف وسائل التعبير وتقييد الحريات السياسية؛ عبر حل الأحزاب، ومصادرة الصحف، وتزوير الانتخابات.
فهل من المستساغ أن لا تؤثر كل تلك الحيثيات على المؤسسة العسكرية ؟ أو أن يظل أفراد الجيش بمختلف رتبهم، بمعزل عن ذلك المناخ السياسي المشحون محليا ودوليا ؟
ربما لم يساور إنقلابيي 2003 أدنى شك في تقبل غالبية الشعب الموريتاني وتلهفه لإزاحة حكم ولد الطائع، في ظل انسداد الأفق السياسي والاحتقان الشعبي آنذاك. رغم أن ذلك الارتياح الداخلي المفترض، فيما لو تم للانقلابيين ما أرادوه، لم يكن ليرافقه تقبل دولي وخاصة غربي.
وأيا كانت دوافع الضباط الانقلابيين من وراء عمليتهم الفاشلة، فقد أبانوا عن قدرة ما على اختراق كل الأحزمة الاستخباراتية، والإجراءات الاحترازية المضروبة حينها حول المؤسسة العسكرية، التي أضحت -على مراحل- منذ منتصف الثمانينات؛ جهازا جامدا تديره ثلة من الموالين المقربين لولد الطائع.
تلك المؤسسة ذاتها هي التي نفذت بعد سنتين وشهرين من محاولة يونيو 2003؛ انقلابا آخر على ذات الرئيس الذي دافعت عنه باستماتة، حين كان النظام كله مهددا بالزوال والانحلال.

أهو انقلاب يلد آخر ؟

قد يفاخر فرسان التغيير بأن محاولتهم فجر الثامن من يونيو؛ كانت بمثابة الزلزال الذي هز أركان حكم ولد الطائع، ودفع بقطاعات واسعة في المؤسسة العسكرية إلى التفكير جديا في إزاحة رأس النظام، وتقديمه كبش فداء من أجل البقاء. فهل ما حدث صبيحة الثالث من أغسطس 2005 كان من نتائج محاولة فرسان التغيير الانقلابية ؟
لقد اهتزت صورة نظام ولد الطائع حين فقد السيطرة على عاصمة البلاد يومين كاملين، صال الانقلابيون وبعض العامة خلالهما وجالوا في أرجاء قصره المشيد، وفقد الثقة في كثير من مقربيه خاصة المدنيين منهم. وهكذا ما أن سكتت أفواه المدافع، وخمدت نيران الانقلاب، وسحق المتمردين "دبابة دبابة"، حتى أقال ولد الطائع حكومته، وعدل المجلس الوطني لحزبه الجمهوري الحاكم، فأبعد رموزا وقرب آخرين.
ورغم المحاولة الانقلابية لم يؤجل ولد الطائع انتخابات نوفمبر 2003، وفاز فيها بنسبة 66.69 % من أصوات الناخبين، وإن كانت المعارضة السياسية دأبت على اتهام النظام الطائعي بالتزوير في معظم الاستحقاقات الانتخابية، ثم اعتقل قادة المعارضة واتهموا بالتدبير لانقلاب عقب إعلان نتائج الانتخابات.
وفي أغسطس 2004 أعلنت السلطات الأمنية وجهاز المخابرات أنها أحبطت محاولتين انقلابيتين، وعرضت ما اعتبرته أسلحة وذخائر حية أدخلها فرسان التغيير سرا إلى البلاد. قبل أن تلقي القبض على زعيم الانقلابيين صالح ولد حننا. وفي نوفمبر من نفس السنة تم تقديم العسكريين والمعارضين لمحاكمة استغرقت أكثر من شهرين، كما اعتقل ناشطون إسلاميون بتهمة فبركة وتزوير صور يظهر بها المعتقلون العسكريون شبه عراة وهم يتعرضون للتعذيب.
وفي مطلع سنة 2005 أسدل الستار عن المحاكمة الشهيرة لأكثر من 200 شخص مدني وعسكري برئ خلالها المعارضون المدنيون؛ وعلى رأسهم أحمد ولد داداه ومحمد خونه ولد هيداله، كما حكم على العسكريين بأحكام متفاوتة من السجن المؤبد إلى السجن 15 سنة و10 سنوات و5 سنوات.
قارن البعض بين أحكام السجن التي نالها فرسان التغيير "البيضان"، وبين جزاء الانقلابيين الزنوج المتهمين بمحاولات 1987، الذين أعدم بعضهم بمحاكمة وبغير محاكمة. فهل كان نظام ولد الطائع أكثر رأفة بالفرسان رغم محاولتهم الانقلابية الدامية، منه بانقلابيي جبهة التحرير الأفريقية التي أحبط انقلابها في مهده ؟
لم يكمل انقلابيو فرسان التغيير محكوميتهم، ونالوا حريتهم على يد انقلابيين جدد من رحم النظام الذي حاربوه، حين أطاح مدير الأمن الوطني وقائد الحرس الرئاسي ورفاق لهم بولد الطائع صبيحة الثالث من أغسطس 2005.
نال الانقلاب الأبيض الناجح رضا معظم الطبقة السياسية في موريتانيا، وإن استقبل في البداية بريبة على الصعيد الخارجي. ريبة ما لبثت أن تبددت حين شرع المجلس العسكري في تنفيذ وعوده السياسية تباعا، وقلص فترته الانتقالية. حتى باتت التجربة الموريتانية على كل لسان؛ نموذجا للانتقال السلمي على طريق الديمقراطية.

حصاد الانقلابين

يبدو المشهد اليوم بعد أربع سنوات مغايرا تماما - سياسيا على الأقل- لما كان عليه في منتصف 2003. فقائد المحاولة الانقلابية بعدما ذاق المنافي والسجون، يستمد اليوم شرعية دستورية كنائب برلماني منتخب، وكرئيس لحزب سياسي معترف به، وله تمثيل محلي وتشريعي محترم.
كما قدم صالح ولد حننه نفسه للموريتانيين مرشحا للرئاسة –لكن عبر صناديق الاقتراع- فحل سادسا بين تسعة عشر منافسا، بعدما زكاه معظم رفاقه من فرسان التغيير، وقادة التيار الإسلامي. وفي شوط الرئاسيات الثاني؛ لم يتنكر ولد حننه لماضيه النضالي، فساند مرشح ائتلاف قوى التغيير، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من كسب سباق الرئاسة.
أما ولد الطائع، فقد خلعه الذين دافعوا عنه من قبل باستماتة، وها هو يعيش منفاه في ضيافة أمير قطر. قطر التي استضافت سيدتها الأولى قبل أيام مدير أمنه السابق ومزيحه من الحكم، كرمز لجهود إرساء الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي.
قيادة حزب معاوية قلبت له ظهر المجن، وباركت الانقلاب الأبيض الذي قاده العسكر، في خطوة توحي بدرجة عالية من الوصولية لدى بطانة الحكم. فالذين خرجوا بسياراتهم مساء التاسع من يونيو 2003 مهللين لدحر الانقلابيين، وعودة "الشرعية الدستورية"، هم ذاتهم الذين تظاهروا مساء الثالث من أغسطس 2005 مرحبين بـ"التغيير المبارك"، ومحيين المجلس العسكري "للعدالة والديمقراطية".
وطيلة المرحلة الانتقالية دفعت الوصولية السياسية بالكثير من أنصار ولد الطائع؛ إلى التقلب في المواقف، وارتداء أكثر من لون سياسي. فمنهم من تمسك بالحزب وأحاله جمهوريا للديمقراطية والتجديد. ومنهم من التحق ببعض أحزاب وتيارات المعارضة خاصة تكتل القوى الديمقراطية، ومنهم طائفة اختارت -بإيعاز من قادة العسكر- "الاستقلال" انتماء به دخلت البرلمان والمجالس المحلية. قبل أن تشكل غالبيتهم كتلة الميثاق التي دعمت ولد الشيخ عبد الله في الانتخابات الرئاسية.
عاد إذن معظم أنصار ولد الطائع من نافذة الانتخابات بعدما كادوا أن يخرجوا من أبواب الانقلابات، هكذا يصف البعض نتائج المرحلة الانتقالية التي تلت انقلاب الثالث من أغسطس 2005، بل يذهب كثيرون إلى أن ذلك الانقلاب لم يكن سوى عملية جراحية لتجميل صورة النظام، وتقديمه للموريتانيين في حلة دستورية جديدة، لكن بثمن.
بعض ذلك الثمن تمثل في ازدياد حصة المعارضة من مقاعد البرلمان والمجلس المحلية، بعد تزايد ثقة الناخبين في جدوى الإدلاء بأصواتهم، وكذا اتساع مساحة حرية التعبير المتاحة. فضلا إقرار النظام دستوريا بزعامة أحمد ولد داداه للمعارضة الديمقراطية، وهو الحاصل على نسبة 47.15% من أصوات الناخبين في شوط الرئاسيات الثاني، ورئيس أكثر الأحزاب السياسية –حتى الآن- تمثيلا في البرلمان الجديد. وغير ذلك من مكاسب معارضي ولد الطائع.
ربحت موريتانيا من خطوة المجلس العسكري؛ انفراجا سياسيا ما لأزمة متعددة الجوانب؛ كادت تعصف بكيان الدولة الهش. لكن تعزيز ذلك الانفراج مرهون بانفتاح الحكام الجدد على معارضيهم، وإرساء سنة التشاور والحوار، والتصدي بجد لمعركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتوزيع عادل لثمار النمو وخيرات البلد؛ بين كافة فئات الشعب وجهاته، على اختلاف ألوانها وانتماءاتها.
ولعل أكبر رابح من انقلاب الثالث من أغسطس؛ هم الأعضاء الفاعلون في المجلس العسكري وسنده السياسي والمالي، فمنهم من سجل له التاريخ تنازلا طوعيا عن السلطة، وخرج من القصر الرمادي إلى بيته مرفوع الرأس. ومنهم من استبدل "رئيسا فعليا" بواجهة شرعية؛ تحميه وتحفظ ما غنمه تحت الحكم الطائعي إلى حين.
فهل يرضى ولد الطائع من الغنيمة بالإياب ؟ أوبة إن تمت لمعاوية فلن تكون كرجوعه إلى قصره يوم التاسع من يونيو 2003، فقد حرمه مقربوه؛ عودة أخرى إليه صبيحة الثالث من أغسطس 2005.

أوباري في 09/06/2007

أ. سليمان ولد حامدن
محاضر مساعد - جامعة سبها – الجماهيرية الليبية
Soulaymane77@yahoo.fr

 


 
 

 

 



 

 
 

 

 

الحدث ـ جريدة الكترونية مستقلة

كلمة "الحدث" : حقائق يجب ان تعرف

رئيس موريتانيا يسود و لا يحكم، بقلم الخليل ولد مأمون

"جون افريك" : لا أحد يعتقد أن ولد الشيخ عبد الله يحكم موريتانيا

مصادر موريتانية : الخلاف بين الرئيس و الجنرالات أكذوبة

مجلة فرنسية : آير موريتاني قتلت لتحيا موريتاني آير ويز

موريتانيا، جمهورية اسلامية تنخرها المخدرات

موريتانيون في امريكا ينتقدون الرئيس و يهاجمون معاونيه

صحيفة مغربية : العقيد فال ربما يكون متورطا في تهريب المخدرات

نيويوركر : موريتانيا تحتضن سجنا سريا لسي آي ايه

قصيدة : لا، لم تمت يا شيخنا

 

 

  اطبع